وردة أحرون- إيموزار كندر
في مساء خريفي هادئ بمدينة إيموزار كندر، تحوّل مدار مروري إلى مسرح مأساوي، حين أقدم رجل ستيني، تظهر عليه علامات اضطراب عقلي، على طعن شرطي مرور بسكين، أرداه قتيلًا في لحظات. الحدث، رغم قسوته، لا يجب أن يُقرأ كجريمة فردية معزولة، بل كصرخة مدوية تكشف هشاشة البنية الاجتماعية، وتقصير الدولة في حماية مواطنيها—بمن فيهم المرضى النفسيون ورجال الأمن.
الصحة النفسية: من التهميش إلى الخطر
المعتدي، بحسب المعطيات الأولية، له سوابق في الإيداع بمستشفيات الطب النفسي، ويعيش حالة تشرد. هذا التقاطع بين المرض العقلي والتشرد ليس صدفة، بل نتيجة مباشرة لغياب سياسات عمومية تضمن الرعاية المستمرة، الإدماج، والمتابعة. حين يُترك المريض النفسي في الشارع، يتحول من ضحية إلى تهديد، ومن مهمّش إلى فاعل عنيف.
التشرد كنتاج للسياسات المنسية
التشرد ليس فقط غياب مأوى، بل غياب الاعتراف. هؤلاء الأشخاص يعيشون خارج التغطية الاجتماعية، خارج الخطاب السياسي، وخارج الاهتمام الإعلامي. الجريمة التي وقعت ليست فقط طعنة في جسد الشرطي، بل طعنة في جسد الدولة التي تخلّت عن مسؤولياتها تجاه الفئات الهشة.
العدالة بين الجنون والعقاب
هل يُحاسب المختل عقليًا كما يُحاسب السوي؟ وهل يكفي تصنيفه كمريض لتبرير العنف؟ هذه الأسئلة تفتح نقاشًا قانونيًا وأخلاقيًا حول مسؤولية الفرد والدولة، وحول الحاجة إلى منظومة قضائية تراعي التعقيد النفسي والاجتماعي للجناة.
رجل الأمن: ضحية أم رمز؟
الشرطي الذي قُتل لم يكن فقط موظفًا يؤدي واجبه، بل رمزًا للدولة في عين المواطن. الاعتداء عليه يحمل دلالة رمزية عن أزمة الثقة، عن هشاشة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وعن الحاجة إلى إعادة بناء هذه العلاقة على أساس من الحماية لا القمع، ومن الرعاية لا الرقابة.
الصحافة: من نقل الحدث إلى تفكيكه
هنا يأتي دور الصحافة، لا كمجرد ناقل للدم، بل كأداة إصلاح. عليها أن تطرح الأسئلة التي لا تُطرح، أن تُسلّط الضوء على الأسباب لا فقط النتائج، وأن تُعيد تشكيل الوعي الجماعي حول قضايا الصحة النفسية، التشرد، والعنف الرمزي. الصحافة الإصلاحية لا تكتفي بالخبر، بل تُحوّله إلى خطاب نقدي، يدفع نحو التغيير.
دور الدولة: بين النوايا الإصلاحية والفراغ المؤسساتي
منذ إغلاق مركز "بويا عمر" سنة 2015 ضمن ما سُمّي بـ"مخطط كرامة"، رفعت الدولة شعارًا إنسانيًا نبيلًا: إنهاء الاحتجاز القسري للمرضى النفسيين، وتوفير رعاية طبية حديثة تحفظ كرامتهم. لكن الواقع كشف عن فجوة عميقة بين الخطاب والممارسة. فالمستشفيات العمومية، التي استقبلت المرضى المرحّلين، تعاني من نقص حاد في الأطر الطبية، إذ لا يتجاوز المعدل طبيبًا نفسيًا واحدًا لكل 100 ألف نسمة، ما يجعل المتابعة شبه مستحيلة.
إغلاق "بويا عمر"، رغم ما كان يُثار حوله من انتقادات، شكّل بالنسبة لآلاف الأسر طوق نجاة، في ظل غياب بدائل مؤسساتية حقيقية. وبعد الإغلاق، تفاقمت ظاهرة التشرد بين المرضى النفسيين، وظهرت حالات عنف متكررة في الشوارع، ما يطرح سؤالًا حادًا: هل كان الإغلاق إصلاحًا أم مجرد إزالة لعرض دون علاج للمرض؟
الدولة، في هذا السياق، لم تُطوّر منظومة إيواء متخصصة، ولم تُحدث مراكز متابعة مجتمعية تضمن استمرارية الرعاية. فالمريض النفسي، بعد خروجه من المستشفى، يُترك في فراغ قانوني واجتماعي، ما يجعله عرضة للانهيار، أو للتحول إلى فاعل عنيف كما حدث في إيموزار كندر.
إن الإصلاح الحقيقي لا يكمن في إغلاق مركز، بل في بناء شبكة مؤسساتية متكاملة: مستشفيات مجهزة، مراكز إيواء، فرق متابعة ميدانية، وقانون يحمي المريض والمجتمع معًا. فالدولة، حين تتخلى عن تتبع هذه الحالات، لا تُقصّر فقط في واجبها، بل تُساهم في إنتاج العنف
في النهاية، جريمة إيموزار كندر ليست فقط مأساة، بل فرصة. فرصة لننظر في المرآة، ونرى ما لا نحب أن نراه: دولة تُقصّر، مجتمع يصمت، وإعلام يكتفي. لكن أيضًا، فرصة لنكتب، نحلل، ونُطالب. لأن الطعنة التي أصابت الشرطي، أصابتنا جميعًا.
يوسف وفقير - الرباطعقد المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي، يوم الجمعة 29 غشت 2025، اجتماعا طارئا بكلية العلوم بالرباط،...
يوسف وفقير- الرباطأعلنت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة عن إحداث خلية مركزية جديدة، هدفها تسريع معالجة مختلف الإشكالات التي...
اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا
كن أول من يعلق على هذا المقال
احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني