يوسف وفقير
في الوقت الذي ينتظر فيه الصانع التقليدي المغربي التفاتة حقيقية تُنقذه من هشاشة تتفاقم سنة بعد أخرى، خرجت علينا كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية باتفاقية جديدة، تحمل شعارا براقا: "من أجل صانع متعلم". اتفاقية تُبشّر بمرحلة جديدة من محو الأمية، وتُقدَّم باعتبارها مدخلا لتأهيل الحرفيين والارتقاء بقدراتهم. لكن، بعيدا عن لغة البلاغات الرسمية والتصريحات الرنانة، يطفو سؤال بسيط، وربما محرج: هل فعلا هذا ما يحتاجه "المعلّم" اليوم؟
لا أحد يُجادل في أهمية محو الأمية، ولا في دورها في تمكين الأفراد من أدوات أساسية للاندماج. لكن الإشكال ليس هنا، بل في ترتيب الأولويات. فحين يكون الصانع غارقا في دوامة الغلاء، ويشتغل في سوق غير مهيكل، ويواجه منافسة غير متكافئة من دخلاء المهنة، فإن الحديث عن "تعليمه القراءة والكتابة" يبدو أقرب إلى ترف إداري منه إلى استجابة واقعية لحاجياته اليومية، هذا إن كان فعلا لا يقرأ ولا يكتب..رغم أن الواقع شيء آخر تماما...
التصريحات الرسمية يتحدث عن مقاربة مندمجة و"تأهيل الصناع" وتطوير الكفاءات البيداغوجية، وهي عبارات تُرضي لغة التقارير، لكنها لا تُطعم الصانع خبزا، ولا تضمن له استقرارا. فالمشكل الحقيقي ليس في قدرة الحرفي على كتابة اسمه، بل في قدرته على الاستمرار في مهنته دون أن يُسحق تحت ضغط التكاليف، وغياب الحماية، وانعدام آليات الدعم.
ثم ماذا عن الفترات التي تمرّ على الصانع دون عمل يُذكر؟ ماذا عن مواسم الركود التي بالكاد يجد فيها ما يسد به رمقه؟ هل ستُعوّضه "حصص محو الأمية" عن غياب الطلب؟ هل ستُساعده "الدعائم البيداغوجية" في تسديد كراء المحل أو شراء المواد الأولية التي ارتفعت أسعارها بشكل مهول؟
الأدهى من ذلك أن هذه المقاربة تُغفل، أو تتغافل، عن معضلة أكبر: فوضى القطاع. فالحِرف اليوم لم تعد محصورة في أهلها، بل أصبحت مفتوحة لكل من قرر أن يُجرّب حظه، دون تكوين، دون تأطير، ودون أي إطار قانوني صارم ينظم المهنة. وهنا، لا ينفع "التعليم" وحده، بل يحتاج الأمر إلى تقنين حقيقي يحمي الحرفة من التسيّب، ويُعيد الاعتبار لأهلها.
كان بالإمكان، وربما من الأجدر، أن تُوقّع الوزارة شراكات مع مؤسسات تمويلية لدعم الحرفيين ماديا، أو إطلاق برامج لتسويق المنتوج التقليدي، أو إدماج الصناع في منظومة الحماية الاجتماعية بشكل فعلي وناجع، أو حتى فتح نقاش جدي حول تقنين المهن الحرفية. لكن يبدو أن "ستيلو ودفتر 24.." أسهل من خوض معارك الإصلاح العميق.
المفارقة أن الأرقام التي قُدّمت كدليل على نجاح البرنامج-عشرات الآلاف من المستفيدين-لا تُجيب عن السؤال الأهم: ماذا تغيّر فعليا في حياة هؤلاء؟ هل خرجوا من الهشاشة؟ هل تحسّنت مداخيلهم؟ هل أصبحوا أكثر قدرة على الصمود في سوق قاس وغير منصف؟
يبدو أن الصانع التقليدي يُخاطَب مرة أخرى بمنطق لا يعكس أولوياته. وكأن لسان حال السياسات العمومية يقول له: "اش خاصك ألمعلّم؟ ستيلو وورقة". بينما هو، في صمته الثقيل، يردّ: "خاصني كرامة مهنية… قبل أي شيء آخر".
تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين
البوابة بريس – يوسف وفقيرأقرت ليلى بنعلي، وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، بأن اعتماد الساعة الإضافية خلال فصل الشتاء لا...
بأمر من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، أشرف صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، اليوم الإثنين،...
اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا
احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!