الثلاثاء, 08 سبتمبر 2026
اشترك الآن
Bawabapress

بين محاضر الغش والعقلية الأبوية... ضاع التلميذ

الثلاثاء 02 يونيو 2026 1532
مشاركة:
بين محاضر الغش والعقلية الأبوية... ضاع التلميذ

 

يوسف وفقير

في المغرب، لا تحتاج إلى مؤتمر دولي ولا إلى مناظرة فكرية كبرى ولا حتى إلى كتاب من ألف صفحة لإشعال نقاش عمومي. يكفي أحيانا أن يضع أستاذ مجهول سؤالا في امتحان للفرنسية، حتى تستيقظ البلاد على معركة وجودية حول المرأة والحداثة والعقلية الأبوية ومستقبل الإنسانية.

هذا ما وقع بالضبط في امتحان الأولى باكالوريا، حين وجد التلاميذ أنفسهم أمام سؤال يطلب منهم مناقشة رأي يعتبر أن المرأة خُلقت فقط للزواج وإنجاب الأطفال. لم تمض ساعات قليلة حتى خرجت عريضة موقعة من حقوقيين وأكاديميين وجمعويين، تتحدث عن تكريس العقلية الأبوية وإعادة إنتاج الصور النمطية والإساءة إلى المرأة.

في الحقيقة، أول من يستحق التضامن في هذه القصة ليس المرأة ولا الرجل، بل التلميذ المغربي نفسه.

فمنذ أسابيع وهو يتابع نشرات التحذير من الغش، وبلاغات العقوبات، وصور أجهزة التشويش، وقصص الموقوفين، والتسجيلات التي تتحدث عن سنوات من الحرمان والمتابعات القانونية. حتى خُيل للبعض أن المقبلين على اجتياز البكالوريا ليسوا تلاميذ يستعدون لامتحان دراسي، بل متهمون يستعدون لدخول قاعة تحقيق. لا أحد يجادل في ضرورة محاربة الغش، لكن تحويل الموسم الدراسي إلى موسم للرعب التربوي يجعل حتى التلميذ المجتهد يدخل مركز الامتحان وقلبه يخفق. يحفظ الدروس والقواعد والنظريات، لكن وهو داخل قاعة الامتحان يتساءل هل ترك الهاتف في المنزل ام نسيه في محفظته؟...

ولأن الضغط وحده لا يكفي، وجد التلميذ نفسه هذه المرة مطالبا أيضا بحسم نقاش فلسفي واجتماعي عمره عقود. فبدل أن يبرهن على قدرته على كتابة فقرة سليمة باللغة الفرنسية، أصبح مطالبا بتحديد موقفه من مكانة المرأة في المجتمع، وكأنه يشارك في ندوة دولية حول قضايا النوع الاجتماعي وليس في امتحان للسنة الأولى باكالوريا.

المفارقة أن الجميع انشغل بما إذا كان السؤال أبويا أو تقدميا، بينما نسي السؤال الأهم: هل التلميذ أصلا يمتلك الأدوات اللغوية والمعرفية الكافية لمناقشة قضية بهذا التعقيد؟

ففي هذا السن، حيث لا يزال كثير من التلاميذ يحاولون التمييز بين الماضي المركب والماضي الناقص، قررت المنظومة التربوية أن تمنحهم مهمة إضافية تتمثل في حل إشكالية اجتماعية وفكرية لم ينجح الكبار أنفسهم في الاتفاق حولها.

أما أصحاب العريضة فقد تصرفوا وكأن السؤال كان مشروعا مجتمعيا متكاملا يراد تمريره عبر ورقة امتحان، بينما الحقيقة أن أغلب التلاميذ لم يكن يشغلهم لا المخيال الأبوي ولا الصراعات الفكرية التي تتقاذفها الندوات والبيانات. كان همهم الوحيد هو العثور على الكلمات الفرنسية المناسبة لإنهاء الموضوع قبل أن تنتهي المدة القانونية للاختبار.

وهذا لا يعني أن واضعي الامتحان أبرياء تماما. فاختبار اللغة شيء، واختبار المواقف الفكرية شيء آخر. عندما يتحول امتحان الفرنسية إلى امتحان في الفلسفة وعلم الاجتماع وقضايا النوع، فمن حق الناس أن يتساءلوا: هل المطلوب قياس الكفاية اللغوية أم فرز القناعات الشخصية للتلاميذ؟

كان بالإمكان اختيار عشرات المواضيع الأخرى: القراءة، التكنولوجيا، البيئة، الرياضة، الهجرة...، أو حتى تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على التحصيل الدراسي. لكنها عبقرية اللجان التي لا تهدأ إلا عندما تضع أمام تلميذ في السادسة عشرة سؤالا قادرا على تقسيم المجتمع إلى معسكرات متصارعة.

وهكذا وجد التلميذ نفسه بين فكي كماشة. من جهة لجان تضع له سؤالا أكبر من سنه ومستواه اللغوي، ومن جهة أخرى نخبة كاملة تخوض حول ذلك السؤال معركة فكرية طاحنة. وبين الطرفين يضيع صاحب الورقة نفسه، ذلك الشاب الذي لم يطلب أن يكون حكما في قضايا المجتمع الكبرى، بل أراد فقط أن يجتاز امتحانه بسلام.

لذلك ربما حان الوقت لكي نتفق على أمر بسيط: الامتحانات وُجدت لاختبار ما تعلمه التلميذ، لا لتحويله إلى طرف في معارك إيديولوجية لا تنتهي. وإذا كان لا بد من استخلاص درس من هذه الضجة كلها، فهو أن المدرسة تحتاج إلى مزيد من الوضوح ومزيد من الحكمة وأقل قدر ممكن من القنابل الفكرية المزروعة بين أسئلة القواعد والإنشاء. فالتلميذ المغربي لديه ما يكفيه من التوتر والارتباك، ولا يحتاج إلى أن يتحول، كلما اقترب موعد الامتحان، إلى مشروع مفكر اجتماعي أو متهم محتمل أو موضوع سجال وطني مفتوح.

شاركنا رأيك

تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

10 أحرف على الأقل · سيتم المراجعة قبل النشر

0

تعليقات الزوار

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!

مقالات ذات صلة

كيف نحمي عاطفة الفتاة في العصر الرقمي؟
مجتمع

كيف نحمي عاطفة الفتاة في العصر الرقمي؟

بقلم: ذ. سارة القرباص توجيه عاطفة الفتاة في العصر الرقمي لم تعد تربية الفتاة في هذا العصر تقتصر على توفير حاجاتها الماديةأو متابعتها دراسيًا، بل أصبح الاهتمام بجانبها العاطفي ضرورةتربوية لا غنى عنها. فالعاطفة تحتاج إلى توجيه ورعاية، لا إلى كبتوإهمال، حتى تنمو نموًا سليمًا ومتزنًا.وقد تلاحظ الأم أن ابنتها دخلت في علاقات غير ناضجة استجابتفيها لعاطفتها أكثر من عقلها. وهنا تختلف مواقف الأسر؛ فمنها منيلجأ إلى المنع والتوبيخ، ومنها من يغض الطرف تمامًا، بينما يغيب فيالحالتين الاحتواء والحوار، وهما أساس العلاج.إن إهمال الجانب العاطفي لدى الفتاة، مع ضعف المتابعة والتوجيه،قد يجعلها أكثر عرضة للتأثر بعلاقات غير سوية، سواء من بعضالصديقات اللاتي يعشن تجارب عاطفية غير ناضجة، أو من خلالالتواصل مع الجنس الآخر عبر التطبيقات والمنصات الرقمية، خاصةمع اتساع استخدام الهواتف الذكية واعتماد الطالبات عليها فيالدراسة والتواصل.ولا شك أن التطبيقات التعليمية ومجموعات الدراسة قد تحقق فوائدكثيرة، لكنها قد تتحول أحيانًا إلى مدخل لمحادثات خاصة تبتعد عنأهدافها العلمية. فتبدأ المحادثة بشأن دراسي، ثم تمتد إلى موضوعاتشخصية أو عاطفية، خصوصًا إذا غابت المتابعة الحكيمة من الوالدين.كما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والأفلام والمسلسلاتتعرض أنماطًا من العلاقات الإنسانية قد لا تنسجم مع القيم الدينيةوالأخلاقية لمجتمعاتنا، ومع كثرة التكرار قد تستحسن بعض الفتياتتلك الصور، فتبحث عنها في واقعها دون إدراك لما قد يترتب عليها منآثار.ومن هنا تبرز أهمية أن تكون الأم أقرب الناس إلى ابنتها، لا رقيبًايترصد أخطاءها، وإنما صاحبةً وملاذًا آمنًا تجد عنده الفتاة الإصغاءوالتفهم. فكلما شعرت الابنة بالأمان في بيتها، قلَّ بحثها عن الاحتواءخارج أسرتها.كما ينبغي للأسرة أن تنظم استخدام الأجهزة الإلكترونية دون مبالغةفي المنع أو إطلاق العنان. ويمكن تخصيص أوقات محددة لاستعمالالهاتف، وتشجيع الاستخدام النافع في التعلم والاطلاع، مع إتاحةالترفيه في أجواء أسرية تسمح بالحوار والتوجيه عند الحاجة.والحوار الناجح لا يقوم على الاتهام أو التحقيق، وإنما على الهدوء،وحسن الاستماع، والصبر، واحترام مشاعر الفتاة. فالابنة التي تجدمن يصغي إليها داخل بيتها، تقل حاجتها إلى البحث عمن يسمعهاخارجه.إن بناء الثقة بين الأم وابنتها ليس أمرًا عارضًا، بل هو مشروع تربويطويل يحتاج إلى وقت وحكمة وصبر. وعندما تشعر الفتاة بالراحةوالطمأنينة وهي تشارك أمها تفاصيل حياتها، تصبح الأسرة حصنًايحميها من كثير من المؤثرات السلبية التي يفرضها العالم الرقمي.إن أبناءنا وبناتنا لا يحتاجون إلى مزيد من الرقابة بقدر حاجتهم إلىمزيد من القرب والاحتواء. فحيث يغيب الإصغاء الصادق، قد يجدونمن يصغي إليهم، وليس كل من يصغي إليهم يريد لهم الخير.

0 تعليقات
موظفو التعليم العالي يصعّدون: إضرابان لـ72 ساعة ومقاطعة للدخول الجامعي
مجتمع

موظفو التعليم العالي يصعّدون: إضرابان لـ72 ساعة ومقاطعة للدخول الجامعي

يوسف وفقيريبدو أن الدخول الجامعي الجديد مهدد بمزيد من الاحتقان، بعدما أعلنت ثلاث نقابات تمثل موظفي التعليم العالي عن برنامج...

0 تعليقات

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا

نحن نحترم خصوصيتك. لن نشارك بريدك مع أي طرف ثالث.

اشترك في نشرتنا البريدية

احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لموقع bawabapress.com © 2026
شروط الاستخدام سياسة الخصوصية تم إنشاء وإدارة الموقع بواسطة AppGeniusSARL