يوسف وفقير
دعا تقرير حديث صادر عن مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي إلى مراجعة عميقة لمسار النموذج التنموي الجديد، معتبرا أن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من التركيز على معدلات النمو الاقتصادي إلى جعل التشغيل والحد من البطالة في صلب السياسات العمومية، باعتبارهما المعيار الحقيقي لقياس نجاعة البرامج والإصلاحات الحكومية.
وأكد التقرير، الذي تضمن تقييما لحصيلة خمس سنوات من تنزيل النموذج التنموي الجديد، أن خلق فرص الشغل ينبغي أن يتحول إلى أولوية وطنية توجه مختلف الاستثمارات العمومية والخاصة، عبر اعتماد آليات تضمن قياس الأثر المباشر للمشاريع على سوق العمل قبل المصادقة عليها. كما أوصى بإرساء ميثاق وطني يضم الدولة والقطاع الخاص، يحدد أهدافا واضحة لخفض البطالة ويربط مختلف أشكال الدعم والتحفيزات الممنوحة للمقاولات بقدرتها على إحداث مناصب شغل مستقرة وذات جودة.
وفي جانب الحكامة، شددت التقرير على ضرورة تجاوز منطق تدبير الوسائل نحو منطق تقييم النتائج، من خلال ربط المسؤولية بالمردودية الفعلية للسياسات العمومية وانعكاسها على حياة المواطنين. كما دعت إلى إحداث آلية وطنية مستقلة تتولى تتبع وتقييم البرامج العمومية بشكل دوري، مع نشر نتائج التقييم للرأي العام وتعزيز الشفافية في تدبير المال العام، خاصة ما يتعلق بالدعم العمومي والصفقات الكبرى.
ولم يغفل التقرير قطاعي التعليم والصحة، حيث اعتبر أن أي نموذج تنموي لن يحقق أهدافه دون إعادة بناء المدرسة العمومية وتأهيلها لتوفير تعليم منصف وذي جودة. كما دعا إلى الرفع من مكانة البحث العلمي وجعله رافعة استراتيجية للتنمية، إلى جانب مراجعة منظومة التكوين المهني حتى تنسجم مع التحولات التي يشهدها الاقتصاد الرقمي والاقتصاد الأخضر. وفي المجال الصحي، أكد التقرير الحاجة إلى استثمارات استثنائية للنهوض بالمستشفى العمومي، مع اعتماد تدابير مستعجلة لاستقطاب الكفاءات والحد من هجرة الأطر الصحية والتربوية.
وسجلت التوصيات أهمية التصدي للاختلالات المرتبطة بالاحتكار والريع الاقتصادي، عبر تقوية آليات المنافسة وضمان مراقبة أكثر صرامة للقطاعات الحيوية. كما دعت إلى تمكين المقاولات الصغرى والمتوسطة من لعب دور أكبر داخل الدورة الاقتصادية، من خلال تسهيل ولوجها إلى التمويلات والصفقات العمومية، بما يساهم في خلق الثروة وفرص العمل على نطاق أوسع.
وفي الشق الاجتماعي، شدد التقرير على ضرورة دعم الطبقة الوسطى عبر مراجعة السياسة الضريبية وتخفيف الضغط الجبائي على الأجراء، بما يحافظ على قدرتهم الشرائية في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة. كما أوصى بإطلاق برامج أكثر فعالية لتمكين الشباب والنساء اقتصاديا واجتماعيا، وإشراكهم بشكل أوسع في مواقع القرار وصنع السياسات العمومية.
كما أبرزت التقريرأهمية إعادة الحيوية إلى الفعل السياسي والمؤسسات الوسيطة، من خلال تقوية أدوار الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني حتى تتمكن من الاضطلاع بمهام التأطير والترافع ونقل انتظارات المواطنين إلى دوائر القرار.
واعتبر التقرير أن نجاح أي تحول تنموي يظل رهينا بإصلاح الإدارة وتبسيط المساطر والحد من البيروقراطية عبر تسريع وتيرة الرقمنة وتحسين جودة الخدمات العمومية. وخلص إلى أن الرهان الحقيقي لم يعد يقتصر على تحقيق أرقام مرتفعة في النمو الاقتصادي، بل يكمن في بناء نموذج تنموي أكثر إنصافا يضع المواطن في صلب الأولويات، ويوجه الثروة الوطنية نحو تعزيز التنمية البشرية وتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين
يوسف وفقيرفي المغرب، لا تحتاج إلى مؤتمر دولي ولا إلى مناظرة فكرية كبرى ولا حتى إلى كتاب من ألف صفحة...
البوابة بريساختارت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) المغرب ليكون من أوائل الدول التي تحتضن تنفيذ برنامج دولي جديد...
اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا
احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!