لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة للتواصل أو الترفيه، بل تحول إلى منبر ديني موازٍ، حيث يتنافس الفقهاء والدعاة على بث الفتاوى والآراء الشرعية في قضايا الحياة اليومية. هذا التعدد الذي كان يُفترض أن يعكس ثراء الاجتهاد، صار في الواقع ساحة تضارب بين خطاب التحريم وخطاب التحليل، مما يخلق حالة من التشويش الذهني والوجداني لدى الشباب والمراهقين، ويضعهم أمام تناقضات يصعب حلها.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد اختلاف فقهي طبيعي، بل أزمة بنيوية تعكس تفكك المرجعية الدينية التقليدية، وفقدان المؤسسات الرسمية لجزء من سلطتها الرمزية. في ظل هذا الفراغ، يتقدم الفقيه الرقمي ليملأ الشاشة بخطاب يختلط فيه الدين بمنطق السوق الإعلامي، حيث تتحول الفتوى إلى سلعة تُسوَّق لجذب المتابعين واللايكات، ويُستعمل الدين كأداة للنفوذ الرقمي أكثر مما يُستعمل كخطاب أخلاقي أو إنساني.
هذا الوضع يترك آثاراً عميقة على الشباب والمراهقين. فمن جهة، يولّد تضارب الفتاوى تشويشاً في الهوية، إذ يجد المراهق نفسه أمام خطابين متناقضين، فيفقد الثقة في المرجعية الدينية. ومن جهة أخرى، ينقسم وجدانه بين الانجذاب إلى خطاب التحريم الصارم الذي يمنحه شعوراً باليقين، وبين الميل إلى خطاب التحليل الذي يخفف الضغط الاجتماعي. وفي كثير من الحالات، يقود هذا الانقسام إلى نزعة نحو الانسحاب من الدين المؤسسي، بحثاً عن خطاب أكثر عقلانية وإنسانية.
محاربة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتم عبر المنع أو الرقابة وحدها، بل تحتاج إلى إعادة بناء النقد الاجتماعي. يجب أن يتعلم الشباب أن الفتوى ليست نصاً مقدساً، بل خطاب بشري يخضع للسياق والمصالح، وأن التفكير النقدي هو الضمانة الوحيدة ضد التلاعب بالعقول. كما أن إدماج التربية الإعلامية في المناهج التعليمية بات ضرورة، لتعليم الأجيال كيفية قراءة المحتوى الديني على السوشيال ميديا بوعي نقدي، يميز بين الخطاب الصادق والخطاب الدعائي.
إلى جانب ذلك، ينبغي فضح التواطؤ البنيوي الذي يجعل من الدين أداة هيمنة أو سلعة إعلامية، وربط هذا التواطؤ بالسلطة السياسية والاقتصادية التي تستفيد من تضليل العقول. وفي المقابل، يجب تشجيع المثقفين والباحثين على إنتاج خطاب بديل، يضع الدين في سياقه الإنساني والأخلاقي، بعيداً عن الاستغلال الإعلامي، ويمنح الشباب مساحة للتفكير الحر والنقاش العقلاني.
إن الأزمة التي نعيشها اليوم ليست أزمة فقهية بقدر ما هي أزمة وعي اجتماعي. والسبيل إلى تجاوزها يكمن في خلق فضاء نقدي يعلّم الشباب أن الدين خطاب إنساني قابل للنقاش، وأن الحرية الفكرية هي الشرط الأساسي لحماية الضمير من التلاعب، ولتحرير المجتمع من ثقافة الطاعة العمياء.
يوسف وفقير - الرباطدخل قرار جديد لوزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، حيّز التنفيذ ابتداء من 27 غشت...
أشرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مرفوقا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، اليوم السبت بحي...
اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا
كن أول من يعلق على هذا المقال
احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني