بقلم : يوسف وفقير
لم يكن المغرب يوما بلدا يبحث عن الامتنان، ولا دولة تنتظر الشكر مقابل ما تقدمه، فقد اختار منذ زمن بعيد أن يكون فاعلا لا منفعلا، داعما لا مشروطا، وحاضنا لإفريقيا لا متعاليا عليها. غير أن بعض المحطات تكشف، بوضوح مؤلم، أن الإحسان حين يقابل بالجحود، يتحول إلى عبء، وأن اليد الممدودة قد تصبح هدفا للعضّ بدل المصافحة. وما قرارات وعقوبات الاتحاد الإفريقي لكرة القدم في حق المغرب، على خلفية نهائي كأس إفريقيا ضد السنغال، إلا حلقة جديدة في سلسلة طويلة من سوء التقدير، وسوء النية، وسوء الفهم لدور المغرب ومكانته داخل القارة.
لقد كان المغرب، منذ القديم، سخيا مع إفريقيا، وفضله عليها ثابت لا ينكره إلا جاحد. غير أن الغريب في الأمر أن هذا الفضل غالبا ما يعود عليه بـ"بومزوي"، كما نقول بالدارجة. فالمغرب هو من أعاد لكأس إفريقيا إشعاعها العالمي، حتى أصبحت تُوصف اليوم بـ"المونديال الإفريقي" ويتابعها العالم بأسره. وهو البلد الذي فتح ملاعبه لمن لا ملعب له، ومنح فنادقه للأشقاء الأفارقة ليستضيفوا ضيوفهم في أبهى الظروف، ووفّر كل ما يحتاجونه لإنجاح تظاهراتهم، ويصدر لهم من خيراته دون أن يصدر أزماته إليهم، بل اختار دائما حلّها داخليا، في وقت تعاني فيه دول إفريقية كثيرة من أزمات سياسية واقتصادية ونفسية على مستوى حكّامها، فتتخذ من المغرب مشجبا لتعليق فشلها، ووجهة لتصدير أزماتها.
ربما لم يلتفت البعض إلى كل هذا إلا بعد صدور قرارات وأحكام الكاف بخصوص نهائي كأس إفريقيا، بسبب الأحداث التي رافقته. غير أن الحقيقة أن المؤامرات بدأت قبل انطلاق صافرة العرس الإفريقي. فقد شكّك بعضهم- في خطاب مليء بالتقليل والإنكار- في الإمكانيات اللوجستيكية للمغرب وبنياته التحتية، وأنكروا وجود ملاعب من الطراز العالمي، وفنادق مصنفة دوليا، وشبكة طرق وبنيات من أرقى الأجيال الحديثة. وقالوا إن كل ذلك لا يعدو أن يكون "فوتوشوب"، وأن الملاعب لا توجد إلا في مخيلة فوزي لقجع و"المخزن".
لكن، ما إن حلّوا بالمغرب ونزلوا بمطاراته، حتى انبهروا بما رأوا، وضربتهم اللقوة فتوقفت ألسنتهم عن الكلام. غير أن هذا الانبهار لم يُطفئ حقدهم، فشرعوا في بث السموم، والبحث عن مناورات لإفساد العرس الإفريقي، حسدا من عند أنفسهم من بعدما تبيّن لهم الحق.
إن العقوبات التي أصدرها الكاف تؤكد، بما لا يدع مجالا للشك، أن الاستهداف لم يكن موجها للمباراة بقدر ما كان موجها لمكانة المغرب. فالأمر لم يعد متعلقا بكأس أو نهائي، بقدر ما أصبح مرتبطا ببلد يعطي أكثر مما يأخذ، ويعتبر الأفارقة إخوانا وأشقاء، يمد لهم يد العون كلما استدعت الضرورة ذلك، وبلا مقابل.
المغرب يريد لإفريقيا أن تكون مستقلة بقراراتها، بعيدة عن الإملاءات الأوروبية، وقادرة على أن تكون سيدة نفسها لا تابعة لمستعمر الأمس. يريد قارة قوية، تملك الجرأة على إبداء رأيها في القضايا التي تخصها، وتسعى للخروج من مستنقع العبودية والتبعية. لكن يبدو أن من ألف أن يكون عبدا وتابعا، لن تستطيع إقناعه بالحرية ولو وضعتها له ضمن وجباته اليومية.
ويقول متتبعون إن ما حدث في "كان المغرب 2025"، من ترحيب وإكرام للأفارقة، لا يعدو أن يكون امتدادا لكرم المغرب عبر التاريخ. وفي المقابل، فإن خذلان بعضهم للمغرب هو أيضا امتداد لحقد دفين، لا تتوقف معه محاولات التآمر والسرقة في كل مناسبة رياضية. غير أن هذه المرة، كما يقول أحد المتتبعين، لم يكتفوا بسرقة مباراة أو لقب، بل حاولوا سرقة البلد كله، وهو رأي يصعب الاختلاف معه.
وأمام هذا الواقع، يقول متتبع آخر، بات من الضروري أن يعيد المغرب النظر في علاقاته الإفريقية، وأن يتعامل بمنطق العلاقات الدولية في الزمن الراهن، بل منذ ظهور الدولة القومية الحديثة، حيث تقوم العلاقات الدولية على أساسين لا ثالث لهما: القوة والمصالح. وبما أن المغرب يجنح للسلم، فإن المصالح تبقى الأساس المتين لأي علاقة مستقبلية. تريد ملعبا؟ ادفع لتستفيد. تريد فندقا؟ نتفق على المقابل وعلى مصلحة المغرب من استغلالك للفندق…فليس كل من هب ودب يأتي إلى المغرب ليطلب الملاعب والفنادق والحليب والبطاطس.
فهذه التجهيزات لم تأت صدفة، بل هي ثمرة رؤية واستراتيجية ملك، وعمل حكومة تتقاضى أجورها، وجهد شعب بأكمله. ثم يأتي من، بدافع الحقد أو تنفيذا لأجندات أسياده، ليحاول التبول في ملعب لن يحلم يوما أن يرى مثله في بلاده.
قد يبدو هذا الكلام قاسيا، لكن أحيانا تستلزم المرحلة المعاملة بالمثل، أو أشد منها. لأن من تدافع عنه وعن كرامته، قد لا يتردد في غدرك، ومحاولة تمريغ أنفك في التراب بكل الوسائل الممكنة.
فاتق شرّ من أحسنت إليه.
يوسف وفقير - الرباطأصدر المجلس الأعلى للحسابات تقريره السنوي، وكشف خلاله عن إحالة عشرين ملفا تتعلق بأفعال قد تستوجب عقوبة...
في إطار المجهودات المتواصلة التي تبذلها السلطات المحلية لمواجهة آثار التساقطات الثلجية، تُسجَّل بإكبار كبير التدخلات الميدانية النوعية التي قامت...
اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا
كن أول من يعلق على هذا المقال
احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني