الاثنين, 07 سبتمبر 2026
اشترك الآن
Bawabapress

المنبر والمرآة: حين يُدين الإمام ما لم يُربّ نفسه عليه

الجمعة 14 نوفمبر 2025 490
مشاركة:
المنبر والمرآة: حين يُدين الإمام ما لم يُربّ نفسه عليه

بقلم وردةأحرون

في مجتمع يُفترض أن يكون فيه الإمام حاملًا لخطاب الرحمة، نكتشف بين الحين والآخر وجوهًا تتقن التلاوة، لكنها تُخفي خلف المنبر رغبات مكبوتة، سلطوية، ومريضة.

هؤلاء لا يخدمون الدين، بل يخدمون أنفسهم.

ولا يحمون الجماعة، بل يحمون شهواتهم خلف جدار من القداسة الزائفة.

نحن لا نحتج على الدين، بل على من اختطفوا رمزيته ليمارسوا بها أبشع أشكال الانحراف.

نحن لا نهاجم الإمامة، بل نُسائل من جعلوها منصة للاغتصاب، للتحرش، ولإسكات الضحايا باسم الفضيلة.

أن يُدان الإمام المنحرف ويُسجن، لا يُلغي المفارقة، بل يُسلّط الضوء عليها.

لأن الجريمة وقعت داخل فضاء يُفترض أنه مقدّس، وبواسطة شخص يُفترض أنه قدوة.

ولأن الضحية لم تكن فقط فردًا، بل كانت ثقة جماعية تم انتهاكها.

المفارقة الأخلاقية هنا ليست في غياب المحاسبة، بل في الزمن الذي سبقها، حيث كان المنبر يُستخدم كأداة هيمنة، لا كمنصة وعي.

في تلك الفترة، كان الإمام يُمارس سلطته دون مساءلة، يُخاطب الناس باسم الله، بينما يُخفي داخله عنفًا مكبوتًا، رغبة مريضة، ونظرة دونية للآخر.

السجن لا يُعيد بناء الثقة، ولا يُصلح البنية التي سمحت له بالصعود إلى المنبر.

لأن المشكلة ليست فقط في الفعل، بل في الشرعية التي مُنحت له مسبقًا، وفي الخطاب الذي حصّنه من النقد، وفي القداسة التي جعلت مساءلته أمرًا مؤجلًا، لا فوريًا.

إننا أمام مفارقة تُعرّي المجتمع أكثر مما تُعرّي الإمام.

لأن المجتمع، حين يُقدّس الشكل ويُغفل الجوهر، يُصبح بيئة خصبة للانحراف.

وحين يُسارع إلى التبرؤ بعد الفضيحة، دون أن يُسائل نفسه، يُعيد إنتاج نفس البنية، بنفس الصمت، بنفس الخلل.

رفضٌ للنفاق.

بل هو رفضٌ لسلطة الوعظ حين تُمارَس دون مساءلة ذاتية، دون اعتراف بالهشاشة، دون وعي بأن من يُدين الناس قد يكون هو نفسه في حاجة إلى تربية داخلية لم يخضع لها.

إنه موقف وجودي، لا تنظيري.

إعلان بأن النزاهة الأخلاقية لا تُقاس بكمية النصوص المحفوظة، بل بقدرة الإنسان على الاعتراف بضعفه قبل أن يُدين ضعف الآخرين.

في زمن يُكافأ فيه من يُجيد الخطابة، أُكافئ الصدق مع الذات بالصمت.

لأن الكلمة، حين لا تُولد من تجربة صادقة، تُصبح عنفًا رمزيًا.

ولأن المنبر، حين يُمنح لمن لا يملك وعيًا أخلاقيًا، يتحول من منصة للرحمة إلى أداة للهيمنة.

بعض الأئمة لا يسقطون لأنهم ضعفاء، بل لأنهم لم يعترفوا بضعفهم.

لم يُربّوا أنفسهم قبل أن يُربّوا الناس.

لم يُمارسوا النزاهة كمساءلة، بل استخدموا الخطابة كقناع.

فصاروا ينهون عن الفاحشة، وهم غارقون فيها — لا عن بشرية، بل عن إنكار

شاركنا رأيك

تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

10 أحرف على الأقل · سيتم المراجعة قبل النشر

0

تعليقات الزوار

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!

مقالات ذات صلة

كيف نحمي عاطفة الفتاة في العصر الرقمي؟
مجتمع

كيف نحمي عاطفة الفتاة في العصر الرقمي؟

بقلم: ذ. سارة القرباص توجيه عاطفة الفتاة في العصر الرقمي لم تعد تربية الفتاة في هذا العصر تقتصر على توفير حاجاتها الماديةأو متابعتها دراسيًا، بل أصبح الاهتمام بجانبها العاطفي ضرورةتربوية لا غنى عنها. فالعاطفة تحتاج إلى توجيه ورعاية، لا إلى كبتوإهمال، حتى تنمو نموًا سليمًا ومتزنًا.وقد تلاحظ الأم أن ابنتها دخلت في علاقات غير ناضجة استجابتفيها لعاطفتها أكثر من عقلها. وهنا تختلف مواقف الأسر؛ فمنها منيلجأ إلى المنع والتوبيخ، ومنها من يغض الطرف تمامًا، بينما يغيب فيالحالتين الاحتواء والحوار، وهما أساس العلاج.إن إهمال الجانب العاطفي لدى الفتاة، مع ضعف المتابعة والتوجيه،قد يجعلها أكثر عرضة للتأثر بعلاقات غير سوية، سواء من بعضالصديقات اللاتي يعشن تجارب عاطفية غير ناضجة، أو من خلالالتواصل مع الجنس الآخر عبر التطبيقات والمنصات الرقمية، خاصةمع اتساع استخدام الهواتف الذكية واعتماد الطالبات عليها فيالدراسة والتواصل.ولا شك أن التطبيقات التعليمية ومجموعات الدراسة قد تحقق فوائدكثيرة، لكنها قد تتحول أحيانًا إلى مدخل لمحادثات خاصة تبتعد عنأهدافها العلمية. فتبدأ المحادثة بشأن دراسي، ثم تمتد إلى موضوعاتشخصية أو عاطفية، خصوصًا إذا غابت المتابعة الحكيمة من الوالدين.كما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والأفلام والمسلسلاتتعرض أنماطًا من العلاقات الإنسانية قد لا تنسجم مع القيم الدينيةوالأخلاقية لمجتمعاتنا، ومع كثرة التكرار قد تستحسن بعض الفتياتتلك الصور، فتبحث عنها في واقعها دون إدراك لما قد يترتب عليها منآثار.ومن هنا تبرز أهمية أن تكون الأم أقرب الناس إلى ابنتها، لا رقيبًايترصد أخطاءها، وإنما صاحبةً وملاذًا آمنًا تجد عنده الفتاة الإصغاءوالتفهم. فكلما شعرت الابنة بالأمان في بيتها، قلَّ بحثها عن الاحتواءخارج أسرتها.كما ينبغي للأسرة أن تنظم استخدام الأجهزة الإلكترونية دون مبالغةفي المنع أو إطلاق العنان. ويمكن تخصيص أوقات محددة لاستعمالالهاتف، وتشجيع الاستخدام النافع في التعلم والاطلاع، مع إتاحةالترفيه في أجواء أسرية تسمح بالحوار والتوجيه عند الحاجة.والحوار الناجح لا يقوم على الاتهام أو التحقيق، وإنما على الهدوء،وحسن الاستماع، والصبر، واحترام مشاعر الفتاة. فالابنة التي تجدمن يصغي إليها داخل بيتها، تقل حاجتها إلى البحث عمن يسمعهاخارجه.إن بناء الثقة بين الأم وابنتها ليس أمرًا عارضًا، بل هو مشروع تربويطويل يحتاج إلى وقت وحكمة وصبر. وعندما تشعر الفتاة بالراحةوالطمأنينة وهي تشارك أمها تفاصيل حياتها، تصبح الأسرة حصنًايحميها من كثير من المؤثرات السلبية التي يفرضها العالم الرقمي.إن أبناءنا وبناتنا لا يحتاجون إلى مزيد من الرقابة بقدر حاجتهم إلىمزيد من القرب والاحتواء. فحيث يغيب الإصغاء الصادق، قد يجدونمن يصغي إليهم، وليس كل من يصغي إليهم يريد لهم الخير.

0 تعليقات
موظفو التعليم العالي يصعّدون: إضرابان لـ72 ساعة ومقاطعة للدخول الجامعي
مجتمع

موظفو التعليم العالي يصعّدون: إضرابان لـ72 ساعة ومقاطعة للدخول الجامعي

يوسف وفقيريبدو أن الدخول الجامعي الجديد مهدد بمزيد من الاحتقان، بعدما أعلنت ثلاث نقابات تمثل موظفي التعليم العالي عن برنامج...

0 تعليقات

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا

نحن نحترم خصوصيتك. لن نشارك بريدك مع أي طرف ثالث.

اشترك في نشرتنا البريدية

احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لموقع bawabapress.com © 2026
شروط الاستخدام سياسة الخصوصية تم إنشاء وإدارة الموقع بواسطة AppGeniusSARL