الخميس, 23 أبريل 2026
اشترك الآن
Bawabapress

ليس الكأس مقياس الوطن

الاثنين 19 يناير 2026 1707
مشاركة:
ليس الكأس مقياس الوطن

بقلم: عبد العزيز الخبشي


ضياع كأس إفريقيا من المغرب، إن صح وصفه بالضياع، لا يمكن أن يوقف مسير بلد اختار منذ سنوات أن يمشي في الطريق، لا أن يتعثر عند محطة. الكأس ليست قدرا، ولا هي معيار قيمة، ولا تختزل تاريخ أمة ولا طموح شعب. 

في المغرب، تعلمنا ـ أو هكذا ينبغي ـ أن الهزيمة في مباراة لا تعني الهزيمة في الرؤية، وأن خسارة لقب لا تعني سقوط مشروع. من يربط مصير المغرب بكأس، كمن يختزل البحر في موجة عابرة.

الأهم من الكأس هو ما راكمه المغرب: فريق وطني حقيقي، عناصر كبرى وواعدة، بنية كروية صلبة، ورؤية تقنية تتجاوز منطق الصدفة. كرة القدم، مثل السياسة، لا تبنى بالانفعال ولا تقاس بالنتائج الآنية وحدها، بل بالمسار، بالاستمرارية، وبالقدرة على التعلم من الخسارات دون جلد الذات أو السقوط في النواح الجماعي. المغرب اليوم لا يبدأ من الصفر، بل ينطلق من تراكم، ومن تجربة عالمية وإفريقية جعلته رقما صعبا لا يستهان به.

ثم إن النجاح الحقيقي الذي لا يريد كثيرون الاعتراف به، هو نجاح التنظيم. المغرب، مرة أخرى، قدم درسا في الاستقبال، في البنية، في احترام الضيوف، في الأمن، في اللوجستيك، وفي صورة بلد يعرف ماذا يريد. رأينا كيف فتحت الأبواب، وكيف مدت الأيدي، وكيف قوبل الضيوف بكرم لا يحتاج إلى شهادة حسن سلوك من أحد. وفي المقابل، رأينا كيف أسيء إلى المغرب: في الخطاب، في السلوك، في التعليق، وفي محاولات جر الرياضة إلى مستنقع الحقد والضغينة. هنا تتضح الفوارق بين من يبني ومن يصرخ، بين من يشتغل ومن يراهن على الفوضى.

علينا أن نكون واضحين مع أنفسنا: لا أصدقاء أفارقة لنا بالمعنى الرومانسي الساذج، ولا إخوة عرب أفارقة بالمعنى العاطفي الذي يسوق في الخطب. في السياسة والرياضة، هناك مصالح، وهناك تنافس، وهناك حسابات. من لا يفهم هذا، سيظل مصدوما كل مرة، وسيبحث عن الخيانة في كل خسارة. المغرب لا يحتاج إلى تصفيق المنافقين، ولا إلى عناق المناسبات. يحتاج فقط إلى أن يمشي في الطريق، بثبات، بعقل بارد، وبثقة في النفس.

الهزيمة ـ إن كانت هزيمة ـ ليست نهاية العالم. نهاية العالم هي أن نفقد البوصلة، أن ننقلب على أنفسنا، وأن ننسى ما تحقق من منجزات لأن الكأس لم تأت هذه المرة. المغرب أكبر من لقب، وأعمق من مباراة، وأذكى من أن يستدرج إلى هستيريا النتائج. الطريق هو المهم، والمسيرة هي الأساس، وما دام المغرب يمشي في الطريق الصحيح، فالكؤوس ستأتي أو لا تأتي، لكن الوطن سيبقى واقفا.

شاركنا رأيك

تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

10 أحرف على الأقل · سيتم المراجعة قبل النشر

0

تعليقات الزوار

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!

مقالات ذات صلة

لقد بلغ السيل الزبى…
رياضة

لقد بلغ السيل الزبى…

يوسف وفقير"لقد بلغ السيل الزبى…"تلك هي كلمات حارس أولمبيك آسفي، يوسف المطيع، عقب المباراة التي لم تعد مجرد مواجهة كروية...

0 تعليقات
زلزال استقالات يهز جامعة الكيك بوكسينغ ويفجر اتهامات بسوء التدبير
رياضة

زلزال استقالات يهز جامعة الكيك بوكسينغ ويفجر اتهامات بسوء التدبير

توصلت الجريدة الإلكترونية "البوابة بريس" بنسخة من استقالة جماعية لعدد من أعضاء المكتب المديري للجامعة الملكية المغربية لرياضات الكيك بوكسينغ،...

0 تعليقات

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا

نحن نحترم خصوصيتك. لن نشارك بريدك مع أي طرف ثالث.

اشترك في نشرتنا البريدية

احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لموقع bawabapress.com © 2026
شروط الاستخدام سياسة الخصوصية تم إنشاء وإدارة الموقع بواسطة AppGeniusSARL