الاثنين, 07 سبتمبر 2026
اشترك الآن
Bawabapress

"مهرجانات التفاهة ومآسي القرى المنسية"..بقلم عبد العزيز الخبشي

الأحد 29 يونيو 2025 1404
مشاركة:
"مهرجانات التفاهة ومآسي القرى المنسية"..بقلم عبد العزيز الخبشي

حين تُهدر الملايين في المهرجانات على نزوة مطربة تُطالب بمستحقاتها “كاش” قبل اعتلاء المنصة، ويُقدم لها الطاعة والولاء من لجنة تنظيمية لم تتردد في إرضاء نزواتها، يُطرح سؤال جوهري: أي مجتمع هذا الذي يجعل من الغناء مدخلاً للوجاهة السياسية والثقافية، فيما مدارس القرى بلا أسقف، ومراكز الصحة بدون أطباء، والطرق محفرة تبتلع الأرواح كل يوم؟ ما ورد في خبر "شوف تيفي" ليس مجرد تسريب حول شيرين عبد الوهاب ومنصة النهضة، بل هو انعكاس بنيوي لثقافة سياسية تضع "الفرجة" في مقدمة أولوياتها، وتغيب عن معاناة الوطن الحقيقية، وتكرس نوعاً من “الإنفاق الأبله” الذي لا طائل منه سوى تكريس التفاهة وتلميع صور من يتحكمون في المال العمومي.


من يُتابع حيثيات هذا الحدث العبثي، يكتشف أن المشكلة لم تكن فنية أو تنظيمية بل مالية محضة، حيث رفضت الفنانة المصرية أن تصعد إلى الخشبة قبل أن تتسلم ما تبقى من مستحقاتها نقداً، رغم أن الاتفاق الأصلي كان يقضي بتحويل المبلغ عبر الحساب البنكي. فهل أصبحنا أمام علاقة تجارية محضة لا مكان فيها لا للثقة ولا للكرامة؟ وهل صارت لجان التنظيم أدوات خضوع لرغبات النجوم الذين لا يعنيهم شيء سوى ما يقبضونه، بينما المواطن البسيط يُقهر في أبسط حقوقه؟ إنها مهزلة تنكشف في تفاصيلها خبايا أكبر: إهدار ممنهج للمال العام، وانحراف خطير في سلم الأولويات التنموية.

حين تنقل الصحافة مثل هذه “التبركيكة”، فإنها لا تفضح فقط سوء التدبير، بل تكشف هشاشة تصور الدولة للثقافة، التي يتم خلطها بالميوعة والاستعراض، وكأن الثقافة لا معنى لها إلا بالغناء الهابط والاستعراض السمج. في هذا السياق، تتحول المنصات إلى معابد للتفاهة، ويُحتفى بالمطربين على حساب المثقفين والمبدعين الحقيقيين الذين لا يجدون قاعة عرض أو دعماً لنشر كتبهم أو تنظيم تظاهرات جادة. أما القرى، فتعيش في صمت القهر، محرومة من أبسط البنيات التحتية، حيث النساء يلدن على الطرقات، والأطفال يقطعون الكيلومترات للوصول إلى مدارس متهالكة، والمرضى يموتون أمام المراكز الصحية المقفلة.

الدولة التي ترعى هذه المهرجانات دون حساب، وتغدق أموالاً طائلة على نجوم من خارج البلاد، بينما فقراؤها يتسولون الحق في العيش الكريم، ليست دولة في خدمة مواطنيها، بل كيان يُمارس تلميع الواجهة على حساب الحقيقة. الغريب في الأمر أن الاحتفاء بشيرين جاء في وقت تعرف فيه البلاد أزمة اقتصادية خانقة، وغلاء معيشة متوحش، وكأن الصوت الجميل سيُسكت أنين الجائعين، أو أن الحفلات الباذخة ستُنسي الشعب ضيق العيش.

ما نحتاجه ليس مهرجانات للتسلية الموسمية، بل مخططات تنموية تُراعي الحاجيات الحقيقية للمجتمع، خصوصاً العالم القروي والمناطق المهمشة. ما نحتاجه هو مراجعة نقدية عميقة لطريقة تدبير المال العام، وتحرير الثقافة من قبضة التسليع والفرجة الرديئة. أما التفاهة، فإن استمرار تمويلها من جيوب المواطنين هو شكل من أشكال العنف الرمزي الذي يُمارَس ضد الشعب تحت غطاء "الفرجة" و"الانفتاح"، في حين أنها ليست سوى غطاء لواقع مأساوي متعفن.

إنه زمن الرداءة... زمن تُعطى فيه الأسبقية لصوت “مطربة” على صراخ وطن.

- فاس في ٢٩ يونيو ٢٠٢٥.

- عبد العزيز الخبشي.

شاركنا رأيك

تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

10 أحرف على الأقل · سيتم المراجعة قبل النشر

0

تعليقات الزوار

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!

مقالات ذات صلة

كيف نحمي عاطفة الفتاة في العصر الرقمي؟
مجتمع

كيف نحمي عاطفة الفتاة في العصر الرقمي؟

بقلم: ذ. سارة القرباص توجيه عاطفة الفتاة في العصر الرقمي لم تعد تربية الفتاة في هذا العصر تقتصر على توفير حاجاتها الماديةأو متابعتها دراسيًا، بل أصبح الاهتمام بجانبها العاطفي ضرورةتربوية لا غنى عنها. فالعاطفة تحتاج إلى توجيه ورعاية، لا إلى كبتوإهمال، حتى تنمو نموًا سليمًا ومتزنًا.وقد تلاحظ الأم أن ابنتها دخلت في علاقات غير ناضجة استجابتفيها لعاطفتها أكثر من عقلها. وهنا تختلف مواقف الأسر؛ فمنها منيلجأ إلى المنع والتوبيخ، ومنها من يغض الطرف تمامًا، بينما يغيب فيالحالتين الاحتواء والحوار، وهما أساس العلاج.إن إهمال الجانب العاطفي لدى الفتاة، مع ضعف المتابعة والتوجيه،قد يجعلها أكثر عرضة للتأثر بعلاقات غير سوية، سواء من بعضالصديقات اللاتي يعشن تجارب عاطفية غير ناضجة، أو من خلالالتواصل مع الجنس الآخر عبر التطبيقات والمنصات الرقمية، خاصةمع اتساع استخدام الهواتف الذكية واعتماد الطالبات عليها فيالدراسة والتواصل.ولا شك أن التطبيقات التعليمية ومجموعات الدراسة قد تحقق فوائدكثيرة، لكنها قد تتحول أحيانًا إلى مدخل لمحادثات خاصة تبتعد عنأهدافها العلمية. فتبدأ المحادثة بشأن دراسي، ثم تمتد إلى موضوعاتشخصية أو عاطفية، خصوصًا إذا غابت المتابعة الحكيمة من الوالدين.كما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والأفلام والمسلسلاتتعرض أنماطًا من العلاقات الإنسانية قد لا تنسجم مع القيم الدينيةوالأخلاقية لمجتمعاتنا، ومع كثرة التكرار قد تستحسن بعض الفتياتتلك الصور، فتبحث عنها في واقعها دون إدراك لما قد يترتب عليها منآثار.ومن هنا تبرز أهمية أن تكون الأم أقرب الناس إلى ابنتها، لا رقيبًايترصد أخطاءها، وإنما صاحبةً وملاذًا آمنًا تجد عنده الفتاة الإصغاءوالتفهم. فكلما شعرت الابنة بالأمان في بيتها، قلَّ بحثها عن الاحتواءخارج أسرتها.كما ينبغي للأسرة أن تنظم استخدام الأجهزة الإلكترونية دون مبالغةفي المنع أو إطلاق العنان. ويمكن تخصيص أوقات محددة لاستعمالالهاتف، وتشجيع الاستخدام النافع في التعلم والاطلاع، مع إتاحةالترفيه في أجواء أسرية تسمح بالحوار والتوجيه عند الحاجة.والحوار الناجح لا يقوم على الاتهام أو التحقيق، وإنما على الهدوء،وحسن الاستماع، والصبر، واحترام مشاعر الفتاة. فالابنة التي تجدمن يصغي إليها داخل بيتها، تقل حاجتها إلى البحث عمن يسمعهاخارجه.إن بناء الثقة بين الأم وابنتها ليس أمرًا عارضًا، بل هو مشروع تربويطويل يحتاج إلى وقت وحكمة وصبر. وعندما تشعر الفتاة بالراحةوالطمأنينة وهي تشارك أمها تفاصيل حياتها، تصبح الأسرة حصنًايحميها من كثير من المؤثرات السلبية التي يفرضها العالم الرقمي.إن أبناءنا وبناتنا لا يحتاجون إلى مزيد من الرقابة بقدر حاجتهم إلىمزيد من القرب والاحتواء. فحيث يغيب الإصغاء الصادق، قد يجدونمن يصغي إليهم، وليس كل من يصغي إليهم يريد لهم الخير.

0 تعليقات
موظفو التعليم العالي يصعّدون: إضرابان لـ72 ساعة ومقاطعة للدخول الجامعي
مجتمع

موظفو التعليم العالي يصعّدون: إضرابان لـ72 ساعة ومقاطعة للدخول الجامعي

يوسف وفقيريبدو أن الدخول الجامعي الجديد مهدد بمزيد من الاحتقان، بعدما أعلنت ثلاث نقابات تمثل موظفي التعليم العالي عن برنامج...

0 تعليقات

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا

نحن نحترم خصوصيتك. لن نشارك بريدك مع أي طرف ثالث.

اشترك في نشرتنا البريدية

احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لموقع bawabapress.com © 2026
شروط الاستخدام سياسة الخصوصية تم إنشاء وإدارة الموقع بواسطة AppGeniusSARL