الجمعة, 09 أكتوبر 2026
اشترك الآن
Bawabapress

واجب على المواطن أن يستقيل

الجمعة 09 أكتوبر 2026 294
مشاركة:
واجب على المواطن أن يستقيل

بقلم: ذ.جواد العياشي

وجب على المواطن أن يستقيل. نعم، أن يكتب استقالته بالخط العريض، ثم يوقعها ويبصم عليها بأصابعه العشر، ويصحح إمضاءها ويصادق عليها، وليوثقها قطعا وشرعا أمام عدلين منصوبين، يدونان أن المواطن قد استقال استقالة لا رجعة فيها، بحضور اثني عشر شاهدا. ولكي تكتسي الاستقالة طابعا قانونيا موثقا، فليتوجه بكل ما معه من وثائق إلى موثق، يوثقها ويسجلها ويحفظها في أرشيفه.


فقد حان وقت الاستقالة.


نعم، عزيزي المواطن، لقد حان وقت استقالتك.


استقالتك من اللامبالاة، من السلبية، من الاكتفاء بالمشاهدة، ومن دور المتفرج الذي لا يتدخل إلا ليقول: «ماذا فعلوا؟» و«إلى أين تتجه البلاد؟»


لقد صرت، مع كامل الأسف، قليل العطاء، شديد الاتكالية، عديم الصوت والفعل؛ لا تعبر، لا تحلل، لا تشارك، لا تبادر… ثم تتساءل بعد ذلك: لماذا لا يتغير شيء؟


ولأكون صريحا معك أكثر: أنت تجيد فن التعليق على وسائل التواصل الاجتماعي. هناك فقط تصبح مواطنا كامل الصلاحيات. تنتقد، وتهاجم، وتدافع، وتصوت، وتشكل الحكومات، وتقيل الوزراء، وتعين المسؤولين، وتصدر الأحكام… وكل ذلك وأنت جالس خلف شاشة هاتفك.


إنه عالمك الافتراضي.


مجتمع صنعت له فضاء خاصا بك، لا تسمع فيه إلا من يشبهك، ولا ترى فيه إلا ما يوافق قناعاتك، ولا تدخل إليه إلا لتنتصر في معركة كلامية جديدة.


لكن ماذا يحدث عندما ينقطع الاتصال بالشبكة؟


تنتهي البطولة، وينتهي التصويت، وينتهي التحليل، وينتهي المواطن الافتراضي، ويبقى الواقع. واقعك أنت.


وهنا تبدأ المشكلة. ففي الواقع، أنت محايد. بل محايد سلبي.


لا تبادر، لا تشارك، لا تنتقد، لا تقترح، لا تنظم، ولا تحاول أن تغير شيئا. ثم تستغرب من حالك، وتتساءل عن مآلك، وتلعن الواقع الذي ساهمت، بصمتك، في تركه على حاله.


فمن قال إن المواطنة منشور؟


ومن قال إن المشاركة إعجاب؟


ومن قال إن النقد تعليق؟


ومن قال إن الديمقراطية تمارس من خلف شاشة؟


لقد آن الأوان أن تستقيل من هذا الدور.


استقل من دور المتفرج.


استقل من دور المشتكي الدائم.


استقل من وهم أنك فعلت شيئا لمجرد أنك كتبت تعليقا غاضبا.


ثم ابدأ، وراقب، وحلل، وانتقد، واقترح، وشارك. المهم، بادر.


وكن فاعلا، لا مفعولا به، ولا مفعولا فيه.


اجعل فاعليتك داخل المؤسسات القانونية والدستورية.


انخرط في العمل الحزبي، وناقش وانتقد ودافع واقترح.


مارس العمل النقابي، ودافع عن حقوقك وحقوق زملائك وغيرك.


تطوع في العمل الجمعوي، وانزل إلى الميدان، واخدم مجتمعك.


شارك في الشأن العام.


لا تنتظر أن يأتي التغيير إليك؛ اذهب أنت إليه.


فالمجتمع لا يتغير بالمشاهدة.


والديمقراطية لا تبنى بالتعليق.


والحقوق لا تنتزع بالشكوى وحدها.


والبلاد لا تتقدم بمواطنين يملكون رأيا على الإنترنت، ولا يملكون موقفا في الواقع.


لقد حان وقت استقالتك…


لكن ليس من الوطن.


ولا من السياسة.


ولا من المجتمع.


ولا من مسؤوليتك.


استقل من السلبية فقط.


ثم قدم طلب التحاقك بالمواطنة الفاعلة.


هناك، في الميدان.


هناك، حيث تصنع المواقف.


هناك، حيث يصبح صوتك فعلا، وفكرتك مبادرة، وغضبك نضالا، ومشاركتك جزءا من التغيير.


استقل من التفرج… وابدأ في أن تكون مواطنا.

شاركنا رأيك

تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

10 أحرف على الأقل · سيتم المراجعة قبل النشر

0

تعليقات الزوار

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!

مقالات ذات صلة

أسئلة معلقة فوق أمواج البحر
كتاب وآراء

أسئلة معلقة فوق أمواج البحر

يوسف وفقيرفي كل مرة يمتلئ فيها البحر بشباب يبحثون عن الضفة الأخرى، تمتلئ رؤوسنا، نحن أيضا، بأسئلة لا تجد من...

• 0 تعليقات
حين يتحول الميكروفون إلى منبر للضغينة الرخيصة: حفيظ الدراجي نموذجا
كتاب وآراء

حين يتحول الميكروفون إلى منبر للضغينة الرخيصة: حفيظ الدراجي نموذجا

بقلم:عبد العزيز الخبشيليس أخطر على الوعي الجمعي من إعلامي يخلع عنه عباءة المهنية، ويرتدي قناع العداء المعلن، ويستعمل صوته لا...

• 1 تعليقات

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا

نحن نحترم خصوصيتك. لن نشارك بريدك مع أي طرف ثالث.

اشترك في نشرتنا البريدية

احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لموقع bawabapress.com © 2026
شروط الاستخدام • سياسة الخصوصية • تم إنشاء وإدارة الموقع بواسطة AppGeniusSARL