الاثنين, 03 أغسطس 2026
اشترك الآن
Bawabapress

أسئلة معلقة فوق أمواج البحر

الاثنين 03 أغسطس 2026 253
مشاركة:
أسئلة معلقة فوق أمواج البحر

يوسف وفقير

في كل مرة يمتلئ فيها البحر بشباب يبحثون عن الضفة الأخرى، تمتلئ رؤوسنا، نحن أيضا، بأسئلة لا تجد من يجيب عنها. تتغير الوجوه، وتتبدل الأمكنة، وتختلف التواريخ، لكن المشهد يتكرر، حتى أصبح جزءا من يومياتنا، وجزءا من نشرات الأخبار، وجزءا من أحاديث المقاهي والبيوت. وبين من يودع، ومن ينتظر، ومن يصل، ومن يعود، تبقى الحقيقة الوحيدة أن هذه الظاهرة لم تعد حدثا عابرا، بل واقعا يتكرر كلما اعتقدنا أنه انتهى. لذلك، لن أحاول في هذا المقال تقديم إجابات أو الدفاع عن موقف، بل سأكتفي بطرح أسئلة، علّها تجد يوما من يجيب..

كيف أصبح البحر، بالنسبة لبعض شبابنا، أقل خوفا من المستقبل؟

هل أصبحنا أمام هجرات جماعية، وكأننا أسراب طير ترحل فجأة ودون سابق إنذار؟

من يوقف هذا النزيف؟

لماذا أصبح حلم الرحيل أكبر من حلم البقاء؟

كيف تحولت الهجرة من خيار فردي إلى حديث يومي في المقاهي والجامعات ووسائل التواصل الاجتماعي؟

لماذا يفكر في الرحيل من لا يجد فرصة، ومن وجد فرصة أيضا؟

كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الجميع يفكر في الرحيل؛ من الباحث عن أول فرصة، إلى الطبيب والمهندس وصاحب الشهادات العليا؟

إذا كان الطبيب والمهندس وصاحب الشهادات العليا يبحثون عن مستقبل خارج الوطن، فما الرسالة التي تصل إلى الشاب الذي لم يجد بعد أول فرصة؟

ذا كان بعض الذين حققوا النجاح داخل الوطن يرسلون أبناءهم إلى كندا والولايات المتحدة تحسبا لأي طارئ، فكيف يمكن إقناع من لم يجد بعد أول فرصة بأن مستقبله هنا؟

إذا كان من كوَّن ثروته من خيرات هذا الوطن لا يطمئن إلى مستقبله فيه، فماذا عن الشاب الذي لا يملك حتى ثمن سيارة أجرة إلى سبتة؟

كيف يمكن استرجاع ثقة الشباب في مستقبلهم داخل بلدهم؟

من الذي أطلق صافرة البداية حتى أصبح الرحيل حلما جماعيا يتوارثه الناس أكثر مما يتوارثون الأمل؟

كيف يسترجع الشباب ثقتهم في وطن يبدو أن كثيرا منهم أصبح ينظر إليه كمحطة انتظار، يترقبون فيها قطارا قد يصل في أية لحظة... وقد لا يصل أبدا؟

من المسؤول عن اتساع الفجوة بين طموحات الشباب وما يجدونه على أرض الواقع؟

كيف يمكن إقناع شاب بالمراهنة على المستقبل هنا، وهو يرى آخرين يعتبرون مستقبلهم في مكان آخر؟

إذا كان كثير من الآباء يحلمون بإرسال أبنائهم إلى الخارج، فهل يتعلق الأمر بالبحث عن فرص أفضل، أم بفقدان الثقة في المستقبل داخل الوطن؟

لمن سنترك هذه الأرض إن أصبح الرحيل هو الحلم المشترك عند أعداد متزايدة من الشباب؟

وهل ما نراه مجرد موجة عابرة، أم مؤشر على أزمة أعمق تحتاج إلى وقفة صادقة؟

لكن في المقابل...

هل الهجرة وحدها هي الحل؟

وهل كل من رحل وجد الحياة التي كان يحلم بها؟

كم من مهاجر دفع سنوات من عمره ليبدأ من الصفر في أرض لا يعرفها؟

وهل الغربة تعني دائما الكرامة، أم أنها قد تحمل معها الوحدة والحنين وثمنا لا يُرى؟

ألسنا أحيانا نرى نجاح الآخرين في الخارج، ولا نرى إخفاقاتهم ومعاناتهم؟

إذا رحل الأطباء والمهندسون والأساتذة والكفاءات، فمن سيبني هذا الوطن؟

ومن سيعالج المرضى، ويُعلّم أبناءنا، ويبتكر الحلول لمشكلاتنا؟

وهل يجوز أن نحاسب الوطن وحده، دون أن نسأل أنفسنا: ماذا قدم كل واحد منا لوطنه؟

إذا أصبح الجميع ينتظر فرصة للرحيل، فمن سيصنع فرصة للبقاء؟

وهل يمكن لوطن أن ينهض إذا فقد شبابه الثقة فيه، أو إذا فقد شبابه الإيمان بقدرتهم على تغييره؟

أليس الإصلاح يبدأ أحيانا من قرار البقاء، كما قد يبدأ من قرار الرحيل؟

وهل سنبقى نختلف حول من غادر ومن بقي، أم سنبحث عن الأسباب التي جعلت السؤال نفسه يتكرر جيلا بعد جيل؟

هل المشكلة في الوطن... أم في الطريقة التي أدرنا بها أوطاننا؟

أسئلة أطرحها على ضيوف هذا المقال: الطبيب الذي ينتظر فرصة في الخارج، والمهندس الذي يراجع إعلانات الهجرة، والأستاذ الذي يشرح لتلاميذه معنى المواطنة وهو يملأ استمارة الهجرة، والممرض الذي يتابع عروض التوظيف في الخارج. والطالب الذي يعد الأيام حتى يغادر، والأب الذي يدعو الله أن يرى أبناءه خارج الوطن، والأم التي تعتبر حصول ابنها على تأشيرة أهم اجتيازه للبكالوريا... أسئلة أطرحها على كل من جعل الهجرة جزءا من أحلامه أو من أحاديثه اليومية.

لكن، للأسف، لم يحضر أحد... أو ربما حضر الجميع، واختاروا الصمت.

فهل من مجيب؟

شاركنا رأيك

تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

10 أحرف على الأقل · سيتم المراجعة قبل النشر

0

تعليقات الزوار

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!

مقالات ذات صلة

حين يتحول الميكروفون إلى منبر للضغينة الرخيصة: حفيظ الدراجي نموذجا
كتاب وآراء

حين يتحول الميكروفون إلى منبر للضغينة الرخيصة: حفيظ الدراجي نموذجا

بقلم:عبد العزيز الخبشيليس أخطر على الوعي الجمعي من إعلامي يخلع عنه عباءة المهنية، ويرتدي قناع العداء المعلن، ويستعمل صوته لا...

0 تعليقات
حين يصبح "عدم استعمال الكراطة"أهم من غرق المواطنين
كتاب وآراء

حين يصبح "عدم استعمال الكراطة"أهم من غرق المواطنين

بقلم: يوسف وفقيرليس كل كلام يقال على سبيل المزاح يغتفر، ولا كل "تلميح سياسي" يمكن تمريره دون مساءلة، خاصة حين...

0 تعليقات

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا

نحن نحترم خصوصيتك. لن نشارك بريدك مع أي طرف ثالث.

اشترك في نشرتنا البريدية

احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لموقع bawabapress.com © 2026
شروط الاستخدام سياسة الخصوصية تم إنشاء وإدارة الموقع بواسطة AppGeniusSARL