بقلم: يوسف وفقير
ليس كل كلام يقال على سبيل المزاح يغتفر، ولا كل "تلميح سياسي" يمكن تمريره دون مساءلة، خاصة حين يصدر عن رئيس حكومة يفترض فيه أن يزن كلماته بميزان المسؤولية، لا بميزان الخصومة السياسية.
تصريح رئيس الحكومة الأخيرفي مجلس النواب، حين قال: "الحمد لله على هاد الامطار لي طاحت فلبلاد وطاحت فهاد لاكوب (كان 2025) ولي اختبراتنا والميادين ديالنا ليل ونهار....ومتحشمناش وما وقع حتى شي حاجة... ومحشماتناش"، في إشارة واضحة الى واقعة "الكراطة" التي ارتبطت بوزير الرياضة السابق محمد أوزين، لم يكن مجرد دعابة عابرة أو نكتة سياسية موجهة لخصم حزبي. بل كان، في عمقه، كلاما مستفزا لعموم المغاربة، ومعبّرا عن اختلال مقلق في ترتيب الأولويات.
قد يكون رئيس الحكومة، في قرارة نفسه، أراد استفزاز معارض سياسي بعينه، لكن ما لم ينتبه إليه -أو تجاهله - هو أنه، بهذا الكلام، استفز المغاربة جميعا. فالتصريحات لا تُسمع في فراغ، بل تُستقبل في سياق اجتماعي مثقل بالفواجع، حيث ما زالت صور ضحايا الفيضانات حاضرة في الذاكرة، خصوصا في مدن مثل آسفي وغيرها، حيث لم تكن السيول مجرد حدث طبيعي، بل مأساة إنسانية كشفت هشاشة التدبير وغياب الاستباق.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن "عدم غرق الملاعب وعدم الاضطرار الى استعمال الكراطة" انتصارا وهميا على حساب مأساة حقيقية. وكأن الأهم هو ألا تغرق التيرانات أمام عدسات الكاميرات، أما إن جرفت السيول مواطنين بسطاء، "وخا يديه الواد… الما والشطابة تال قاع البحر"، فذلك تفصيل ثانوي لا يستحق التوقف عنده.
لكن الخطير في هذا التصريح لا يقف عند حدود اللامبالاة الرمزية، بل يتجاوزها إلى الإيحاء - ولو ضمنيا - بأن ما تحقق من بنية تحتية رياضية، ومن طرقات ومطارات ومنشآت كبرى، هو نتيجة مباشرة لنجاعة الحكومة الحالية. والحقيقة التي يعرفها المغاربة جيدا، أن هذه المشاريع ليست من إنجاز الحكومة أو الأغلبية ... بل هي ثمرة استراتيجية دولة، تحت الإشراف المباشر لجلالة الملك، وضمن رؤية ملكية بعيدة المدى، تُتابع تفاصيلها بدقة.
دور الحكومة، في هذا الإطار، لم يكن يتجاوز دور الجهاز التنفيذي، وهو دور ضروري لكنه ليس مصدر الرؤية ولا صانع القرار الاستراتيجي. غير أنه من غير المقبول سياسيا توظيف هذه الإنجازات في خطاب التهكم، أو استعمالها لتصفية الحسابات السياسية الضيقة، أو نسبها ضمنيا لمن لم يصنعها.
بل يمكن القول، دون تجنٍّ، إنه لو قُدر لهذه المشاريع الكبرى أن كانت تحت الإشراف المباشر للحكومة وأغلبيتها وحدها، لكانت نتائجها أسوأ من "الكراطة" بكثير. والدليل ليس افتراضا نظريا، بل واقع ملموس في القطاعات التي تشرف عليها الحكومة بشكل مباشر:
احتجاجات متواصلة، توتر اجتماعي غير مسبوق، فشل في الحوار، وتراجع مقلق في قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والنقل.
والصورة الأبلغ دلالة هي ما يحدث حتى في البوادي. فهؤلاء الذين عُرفوا تاريخيا بالصبر والتحمل، صاروا اليوم ينظمون الوقفات والمسيرات، ويقطعون عشرات الكيلومترات للاحتجاج، بل ويتوجهون إلى الرباط للتعبير عن الغضب ومحاولة تقريب صوتهم من دوائر القرار. وهو تحول اجتماعي خطير، يعكس عمق الاختلال، لا مجرد مطالب ظرفية.
في هذا السياق، لا يستبعد المتابع أن يجد رئيس الحكومة نفسه ممتنا للأمطار، ليس لأنها حدت من تداعيات الجفاف وبينت "حسب تصريحاته "حنكته في التدبير، بل لأنها أعاقت رحيل مزيد من سكان البوادي إلى الرباط. سخرية الواقع هنا أقسى من أي خطاب، وتكشف إلى أي حد يمكن أن ينقلب المنطق السياسي حين تغيب البوصلة.
السياسة ليست نكتة، ورئاسة الحكومة ليست منصة للتلميح والغمز، بل هي موقع للمسؤولية، وللتمييز الواضح بين ما هو إنجاز دولة وما هو تدبير حكومة، وبين الرؤية الاستراتيجية التي يقودها جلالة الملك، والتنفيذ اليومي الذي يفترض فيه أن يكون في مستوى تلك الرؤية.
لأن الغرق الحقيقي، في النهاية، ليس غرق الملاعب، بل غرق الإحساس بالمسؤولية. والخطرليس في "الكراطة"، بل في تحويل معاناة المواطنين إلى مادة للسخرية، بدل أن تكون منطلقا للمحاسبة والإصلاح.
بقلم: يوسف وفقيرمرة أخرى، خرجت علينا المنظمات الأممية بتقرير "صادم"وأرقام مهولة ونسب مرعبة، وعبارات من قبيل "منعطف حرج" و"العالم بعيد...
بقلم: علي أعوين عضو المجلس الوطني لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ومنتخب بجماعة ايموزار كندر.في مشهد لا يخلو من الدلالات...
اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا
كن أول من يعلق على هذا المقال
احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني