يوسف وفقير
تواصل الاضطرابات الجيوسياسية في منطقة الخليج، ولا سيما حول مضيق هرمز، إلقاء ظلالها على سلاسل الإمداد العالمية، في وقت بدأت فيه تداعياته تمتد إلى القطاع الصحي بالمغرب، وسط مؤشرات على صعوبات في توفير بعض الأدوية والمستلزمات الطبية، إلى جانب أزمة متصاعدة تعيشها مختبرات التحاليل بسبب ارتفاع أسعار الكواشف وتأخر وصولها.
وأفادت تقارير إعلامية بأن عددا من الصيدليات المغربية سجل خلال الأسابيع الأخيرة نقصا في بعض الأدوية والمستلزمات الطبية، في ظل اضطرابات النقل البحري الدولي وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين. ويأتي ذلك في وقت تعتمد فيه الصناعة الدوائية الوطنية على استيراد نسبة مهمة من المواد الأولية الفعالة، خاصة من الهند والصين، ما يجعلها أكثر تأثرا بأي اضطراب يطال سلاسل التوريد العالمية.
ورغم أن المغرب يتوفر على صناعة دوائية محلية تغطي جزءا كبيرا من احتياجات السوق الوطنية، فإن هذه الصناعة تبقى مرتبطة باستيراد المواد الخام والمواد المساعدة ومواد التغليف، وهو ما يجعل ارتفاع تكاليف النقل والطاقة عاملا مؤثرا في وتيرة الإنتاج وتوفير بعض الأصناف الدوائية.
وتشير المعطيات إلى أن عددا من شركات الشحن البحري اضطرت إلى تعديل مسارات سفنها أو فرض رسوم إضافية مرتبطة بالمخاطر الأمنية، الأمر الذي أدى إلى إطالة آجال التسليم وارتفاع تكاليف الاستيراد، وهو ما انعكس على تزويد السوق الوطنية بالمنتجات الطبية والمواد الأولية.
وامتدت آثار هذه الصعوبات إلى قطاع طب العيون، حيث كشف مهنيون عن نفاد مادة "الفلوريسين" القابلة للحقن، التي تعد من المواد الأساسية في تصوير الأوعية الدموية للشبكية وتشخيص عدد من أمراض العين، فضلا عن تسجيل خصاص في بعض مراهم العيون المستعملة لعلاج الالتهابات البكتيرية، من بينها "ستيردكس" و"توبرادكس".
كما تواجه مختبرات التحاليل الطبية وضعا متزايد الصعوبة، بعد تسجيل نقص في عدد من الكواشف المخبرية الضرورية لإجراء الفحوصات اليومية. ووفق إفادات مهنيين، اضطرت بعض المختبرات إلى اقتناء هذه المواد بأسعار تجاوزت في بعض الحالات عدة أضعاف أسعارها المعتادة، حفاظا على استمرارية الخدمات المقدمة للمرضى.
وأوضح أحد الفاعلين في القطاع أن المختبرات تجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مر، إما تحمل الزيادات الكبيرة في تكاليف الكواشف، أو تعليق بعض التحاليل إلى حين توفر المواد الأساسية، مشيرا إلى أن أسعار التحاليل الطبية محددة بموجب النصوص التنظيمية، ما يجعل المختبرات غير قادرة على تعويض هذه الزيادات عبر مراجعة أسعار خدماتها.
ودعا مهنيون إلى اتخاذ إجراءات استباقية لتعزيز أمن الإمدادات الطبية، من خلال تنويع مصادر التوريد، وتكوين مخزون استراتيجي من المواد الحيوية، وتسريع مساطر الاستيراد عند حدوث الأزمات، تفاديا لأي انعكاسات محتملة على استمرارية الخدمات الصحية.
ولا تقتصر المخاوف على المغرب، إذ حذرت تقارير دولية متخصصة من أن أي اضطراب طويل الأمد في مضيق هرمز قد ينعكس على قطاع الصناعات الدوائية عالميا، ليس بسبب مرور الأدوية عبر المضيق فقط، وإنما نتيجة ارتفاع أسعار النفط والمواد البتروكيميائية، التي تدخل في تصنيع العديد من الأدوية والعبوات الطبية، فضلا عن زيادة تكاليف النقل والتأمين.
وفي أوروبا، حذرت وسائل إعلام وتقارير مهنية من احتمال تعرض بعض الأدوية الجنيسة لضغوط في سلاسل التوريد إذا استمرت الأزمة، خصوصا المضادات الحيوية وبعض المسكنات، بالنظر إلى اعتماد صناعتها على مواد أولية مستوردة وشبكات لوجستية عالمية معقدة. كما نبهت رئيسة الجمعية الصيدلانية الألمانية، دوروثيا براكمان، إلى أن استمرار التوترات قد يؤدي إلى اضطرابات في إنتاج بعض الأدوية ومواد التغليف، إضافة إلى تأثير محتمل على إمدادات غاز الهيليوم المستخدم في بعض العمليات الصناعية والمخبرية.
ويرى خبراء في سلاسل الإمداد الدوائية أن استمرار التوترات في منطقة الخليج لن يقتصر أثره على أسعار النفط، بل قد يمتد إلى مختلف حلقات الصناعة الدوائية، بدءا من المواد الخام وصولا إلى المنتج النهائي، وهو ما يفرض على الدول المستوردة، ومنها المغرب، تعزيز مرونة منظومتها الصحية وتنويع مصادر التزود، استعدادا لأي اضطرابات قد تطول أمدها.
تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين
أثار ما يُعرف بـ"نظام الطيبات" نقاشا داخل مجلس المستشارين، بعدما دعا المستشار البرلماني عن حزب التجمع الوطني للأحرار، محمد بن...
يوسف وفقيرفي مؤشر جديد على تصاعد التباينات بين مكونات الأغلبية الحكومية، فجرت منظمة المحامين التجمعيين، التابعة لحزب التجمع الوطني للأحرار...
اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا
احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!