بقلم: يوسف وفقير
لم يكن مساء الأمس مجرد نهاية لمشوار المنتخب المغربي في كأس العالم 2026، بل كان عودة مؤلمة إلى ذكرى لم تغادر ذاكرة المغاربة منذ مونديال قطر 2022. مرة أخرى، وقفت فرنسا في طريق "أسود الأطلس"، ومرة أخرى انتهى الحلم على أقدام "الديوك"، الذين حجزوا بطاقة العبور إلى نصف النهائي بعد فوزهم بهدفين دون مقابل.
الهزيمة في كرة القدم تبقى احتمالا واردا أمام أي منتخب، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمواجهة بطل عالمي يملك أسماء كبيرة وخبرة طويلة في الأدوار الإقصائية. لكن ما أثار تساؤلات الجماهير المغربية لم يكن الإقصاء في حد ذاته، بل الطريقة التي ظهر بها المنتخب الوطني، الذي بدا بعيدا عن الصورة التي رسمها لنفسه منذ بداية البطولة.
دخل المنتخب المغربي المباراة وهو يحمل آمال ملايين المغاربة الذين كانوا يؤمنون بأن مواجهة فرنسا هذه المرة ستكون مختلفة، وأنها فرصة لرد الاعتبار بعد إقصاء نصف نهائي مونديال قطر. غير أن مجريات اللقاء سارت في اتجاه آخر، بعدما فرض المنتخب الفرنسي نسقه على المباراة واستغل خبرته وجودته الفردية ليحسم المواجهة بهدفين في الشوط الثاني، ويؤكد مرة أخرى تفوقه في المواجهات المباشرة أمام المنتخب الوطني في كأس العالم.
ورغم الإقصاء، يبقى ياسين بونو الاستثناء الأبرز في هذه المباراة. فقد وقف سدا منيعا أمام العديد من المحاولات الفرنسية، وأنقذ مرماه في أكثر من مناسبة، وأبقى المغرب في أجواء اللقاء خلال فترات طويلة. ولولا تدخلاته، لكان الفارق أكبر، في مباراة لم يجد فيها الدفاع ولا خط الوسط التوازن الذي ظهر به في المباريات السابقة.
ما أثار الانتباه أكثر هو التراجع الواضح في أداء عدد من العناصر الأساسية. اللاعبون الذين صنعوا الفارق أمام منتخبات قوية، وقدموا مستويات كبيرة في دور المجموعات وثمن النهائي، ظهروا هذه المرة بوجه مختلف. غابت السرعة في التحول من الدفاع إلى الهجوم، وانخفضت حدة الضغط على حامل الكرة، كما افتقد المنتخب للحلول الهجومية التي صنعت تميزه في هذه النسخة من كأس العالم.
وقد يكون الإرهاق البدني أحد أسباب هذا التراجع، كما قد يكون الضغط النفسي الذي يرافق مواجهة منتخب بحجم فرنسا لعب دورا في ذلك. لكن مهما تعددت الأسباب، فإن المنتخب المغربي لم ينجح في فرض شخصيته المعتادة، ولم يدخل المباراة بنفس الجرأة التي عود بها جماهيره.
وهنا يبرز سؤال يفرض نفسه: هل أصبحت فرنسا عقدة حقيقية للمنتخب المغربي؟
من الناحية الرياضية، يصعب الحديث عن عقدة بعد مواجهتين فقط، لكن من الناحية النفسية، يبدو أن المنتخب الفرنسي أصبح يمثل امتحانا خاصا لـ"أسود الأطلس". ففي قطر 2022 ضاع حلم بلوغ النهائي، وفي مونديال 2026 تبخر حلم مواصلة المشوار من بوابة ربع النهائي. خسارتان متتاليتان أمام المنافس نفسه كفيلتان بخلق شعور لدى الجماهير بأن هناك حاجزا لم يُكسر بعد.
لكن في المقابل، لا ينبغي أن تحجب هذه الهزيمة حقيقة أخرى أكثر أهمية. فالمنتخب المغربي بلغ ربع نهائي كأس العالم للمرة الثانية تواليا، وهو إنجاز لم يعد بالإمكان وصفه بالمفاجأة، بل أصبح دليلا على أن الكرة المغربية دخلت مرحلة جديدة من التنافس مع كبار العالم. غير أن هذه المرحلة تحتاج اليوم إلى خطوة إضافية، عنوانها تطوير الحلول الهجومية، وتوسيع قاعدة الاختيارات، والحفاظ على الشخصية القتالية نفسها أمام المنتخبات الكبرى، مهما كانت أسماؤها.
قد تكون فرنسا قد جددت تفوقها، وقد تكون قد كرست شعورا بأنها "العقدة" الحالية للمنتخب المغربي، لكن كرة القدم لا تعترف بالعقد إلى الأبد. فما يُهزم اليوم يمكن أن ينتصر غدا، وما بدا مستحيلا في الأمس قد يصبح واقعا في المستقبل.
خرج المغرب من البطولة، لكن مشروعه لم يخرج. أما الدرس الذي يجب أن يبقى، فهو أن المنتخبات الكبيرة لا تُهزم فقط بالمهارة، بل أيضا بالشخصية، والإيمان، والقدرة على اللعب بنفس الشجاعة أمام أي منافس. وحين يستعيد "أسود الأطلس" ذلك الزئير الذي أرعب العالم في السنوات الأخيرة، فلن تكون فرنسا سوى خصم آخر يمكن تجاوزه، لا عقدة يصعب فكها.
تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين
بقلم: يوسف وفقيرلساحرة المستديرة ذاكرة حديدية لا تنسى، وخلف تفاصيل مستطيلها الأخضر تختبئ سيناريوهات دراماتيكية تؤكد في كل مرة أن...
يوسف وفقيرواصل المنتخب الوطني المغربي كتابة التاريخ في نهائيات كأس العالم 2026، بعدما حجز بطاقة العبور إلى الدور ربع النهائي...
اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا
احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!