بقلم: يوسف وفقير
لساحرة المستديرة ذاكرة حديدية لا تنسى، وخلف تفاصيل مستطيلها الأخضر تختبئ سيناريوهات دراماتيكية تؤكد في كل مرة أن للكرة "عدالة متأخرة" وإن طال الزمن. ما شهده مونديال 2026 اليوم في مواجهة ثمن النهائي بين النرويج والبرازيل، لم يكن مجرد مفاجأة كروية مدوية هزت أركان كرة القدم العالمية، بل كان فصلا مثيرا من فصول إنصاف التاريخ ورد الاعتبار للكرة المغربية بعد ثمانية وعشرين سنة من الانتظار والترقب.
والعودة إلى غياهب الماضي تفرض نفسها هنا لفك شفرة الرمزية العميقة لحدث اليوم، ففي الثالث والعشرين من يونيو عام 1998، بملعب فيلودروم بمارسيليا، كان المنتخب المغربي، بجيله الذهبي الرائع يقدم ملحمة تاريخية باكتساحه لمنتخب اسكتلندا بثلاثية نظيفة، وكان قاب قوسين أو أدنى من المرور إلى الدور الثاني للمونديال الفرنسي، شريطة ألّا تنتهي المباراة التزامنية الأخرى بين البرازيل والنرويج بفوز الأخيرة. لكن الأقدار، وتراخي "السيليساو" الضامن للتأهل في الدقائق الأخيرة، منحت النرويج فوزا مثيرا للجدل بنتيجة هدفين لهدف بعد ضربة جزاء مشكوك في صحتها أعلنها الحكم الأمريكي إسفنديار بهرمست في الأنفاس الأخيرة من اللقاء، ليكون ثمن ذلك التواطؤ الضمني إقصاء مريرا وقاسيا لأسود الأطلس، في واحدة من أكبرقصص التاريخ الكروي.
اليوم، وبعد مرور قرابة ثلاثة عقود، دارت عجلة الزمن بشكل لا يصدق لتلتقي النرويج والبرازيل مجددا في دور خروج المغلوب بمونديال 2026، وفي مفارقة تراجيدية تليق بروايات الأدب العالمي، نجحت النرويج في إعادة نفس السيناريو وبذات النتيجة لتطيح بالعملاق البرازيلي خارج البطولة مبكرا. لكن المثير والملهم في المشهد، والذي التقطته عين المؤرخ الفاحصة قبل المشجع العادي، هو أن هذا العبور النرويجي وإقصاء البرازيل التاريخي كُتب هذه المرة تحت أنظار وإدارة طاقم تحكيم يقوده حكم مغربي. هاته "الصفارة المغربية" النزيهة التي أدارت اللقاء بكل اقتدار، حملت في طياتها رمزية كونية غريبة، فالمغرب الذي أُقصي بظلم تحكيمي وتراخي برازيلي عام 1998، وقف اليوم حكما عادلا وشاهدا يوقع على صك خروج البرازيل من الباب الضيق للمونديال، لتنتهي هاته الملحمة بابتسامة الأقدار للنرويج مجددا، وإنصاف وجدان المشجع المغربي الذي رأى في هذه الصفارة نوعا من التسوية التاريخية العادلة التي أغلقت جرح "فرنسا 98" إلى الأبد.
تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين
يوسف وفقيرواصل المنتخب الوطني المغربي كتابة التاريخ في نهائيات كأس العالم 2026، بعدما حجز بطاقة العبور إلى الدور ربع النهائي...
يوسف وفقيرحجز المنتخب الوطني بطاقة العبور إلى الدور ثمن النهائي من كأس العالم 2026، بعدما تفوق على نظيره الهولندي بركلات...
اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا
احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!