يوسف وفقير
"لقد بلغ السيل الزبى…"
تلك هي كلمات حارس أولمبيك آسفي، يوسف المطيع، عقب المباراة التي لم تعد مجرد مواجهة كروية عادية، بل تحولت إلى عنوان عريض لاختلالات أعمق في طريقة تدبير العلاقات داخل الكرة الإفريقية، واختبار حقيقي لمدى قدرة المغرب على الاستمرار في نهجه القائم على حسن النية دون الوقوع في فخ السذاجة.
ما وقع في لقاء إياب نصف نهائي كأس الكونفدرالية الإفريقية، لم يكن حدثا معزولا، بل امتدادا لسلسلة من الوقائع التي تطرح أكثر من علامة استفهام. اقتحام أرضية الملعب، تأخير انطلاق المباراة لأزيد من ساعة، أجواء مشحونة، وفوضى لم يشهدها اللاعبون من قبل… كلها تفاصيل تعيد إلى الواجهة نفس السؤال: إلى متى سيستمر المغرب في تقديم أفضل ما لديه، دون أن يتلقى الحد الأدنى من المعاملة بالمثل؟
تصريحات المطيع لم تأت من فراغ، بل كانت صدى لتجربة عاشها الفريق بكل تفاصيلها. من استقبال يطبعه الكرم المغربي الأصيل، بالتمر والحليب والترحيب، إلى معاناة في مطار الجزائر حيث تم الانتظار لساعات وسحب جوازات السفر، في مشهد لا يليق لا بالرياضة ولا بالعلاقات بين الشعوب. وبين المشهدين، تتجلى المفارقة الصارخة التي تختصر الكثير.
لقد سبق أن نبهنا، في سياق أحداث كأس إفريقيا الأخيرة، إلى أن الإحسان حين لا يُقابل بالتقدير، قد يتحول إلى نقطة ضعف بدل أن يكون مصدر قوة. المغرب، الذي اختار أن يكون سندا لإفريقيا، ورافعة لتظاهراتها، ومضيفا كريما لضيوفها، يجد نفسه في كل مرة أمام سلوكيات تعاكس هذا التوجه، بل وتستغله أحيانا.
ولعل ما يزيد من حدة هذا الإحساس، هو تكرار نفس السيناريوهات: تشكيك قبل الأحداث، توتر خلالها، ثم قرارات مثيرة للجدل بعدها. وكأن هناك من لا يستسيغ أن يرى المغرب في موقع الفاعل القوي داخل القارة، فيسعى بكل الطرق إلى التشويش، سواء عبر الممارسات داخل الملاعب أو عبر كواليس التنظيم والقرارات.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، لم يعد مرتبطا فقط بما يقوم به الآخرون، بل بكيفية تعاطي المغرب مع هذه الوقائع. فالعلاقات، سواء كانت رياضية أو دبلوماسية، لا تُبنى فقط على النوايا الحسنة، بل على التوازن والندية وحماية المصالح. الكرم قيمة نبيلة، لكنه حين يتحول إلى التزام أحادي، يفقد معناه.
"لقد بلغ السيل الزبى…" ليست مجرد جملة عابرة، بل تعبير عن لحظة وعي جماعي بضرورة مراجعة بعض المسلمات. فالمغرب، الذي راكم تجربة كبيرة في التنظيم والاستضافة، وقدم نموذجا يحتذى به قاريا، مدعو اليوم إلى ترجمة هذا التفوق إلى قوة تفاوضية تضمن له الاحترام داخل وخارج الميدان.
قد يكون من الصعب تغيير العقليات بين عشية وضحاها، لكن من السهل وضع حدود واضحة. حدود تجعل من الكرامة خطا أحمر، ومن المعاملة بالمثل قاعدة لا استثناء. لأن من يفتح أبوابه للجميع، عليه أيضا أن يعرف متى يغلقها، أو على الأقل كيف يضع شروط الدخول.
الرياضة رسالة نبيلة، تجمع ولا تفرق. لكن حين تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات أو استعراض النوايا السيئة، يصبح من الضروري إعادة ترتيب الأوراق. ليس من باب التصعيد، بل من منطلق الوضوح: الاحترام لا يُطلب، بل يُفرض.
تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين
توصلت الجريدة الإلكترونية "البوابة بريس" بنسخة من استقالة جماعية لعدد من أعضاء المكتب المديري للجامعة الملكية المغربية لرياضات الكيك بوكسينغ،...
يوسف وفقيرحقق الجيش الملكي فوزا مهما على حساب ضيفه نهضة بركان بنتيجة هدفين دون رد، في المباراة التي جمعتهما، مساء...
اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا
احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!