الثلاثاء, 10 فبراير 2026
مادة إعلانية

الصحراء المغربية: تحولات دبلوماسية تقرب مسار الحسم

الاثنين 09 فبراير 2026
الصحراء المغربية: تحولات دبلوماسية تقرب مسار الحسم

يوسف وفقير - الرباط

تكشف التطورات الدبلوماسية الأخيرة المرتبطة بقضية الصحراء المغربية عن انتقال متدرج من مرحلة إدارة الخلاف إلى مرحلة بلورة ملامح التسوية داخل الأطر الأممية. في هذا السياق، تبدو قضية الصحراء المغربية وقد دخلت مرحلة متقدمة من هذا النوع من الانتصار الصامت، حيث تراجعت لغة المواجهة، وخفتت الأصوات المعاكسة، مقابل صعود مسار دولي مؤطر، يقوده المغرب بثبات، ويجد خصومه أنفسهم مضطرين للتكيف معه بدل تعطيله.

هذا التحول لا يظهر في العناوين العريضة بقدر ما يقرأ بين السطور، وفي ما تختاره العواصم المعنية من صمت محسوب، أو أولويات بديلة، أو إعادة ترتيب للأدوار. وهو ما عكسته بوضوح التطورات الأخيرة التي شهدتها مدريد، سواء عبر اللقاءات الثنائية التي أجراها وزير الخارجية الإسباني مع نظيريه الجزائري والموريتاني، أو من خلال التحركات المرتبطة بالمسار الأممي، التي حضر فيها المغرب بثقل مؤسساتي وقانوني واضح.

في هذا الإطار، احتضنت العاصمة الإسبانية سلسلة مباحثات دبلوماسية ركزت، في ظاهرها، على قضايا الطاقة والهجرة والتعاون الاقتصادي والاستقرار الإقليمي، مع غياب لافت لقضية الصحراء المغربية عن النقاش المباشر. غير أن هذا الغياب، بعيدا عن كونه تهميشا للملف، يعكس واقعا مغايرا: الصحراء لم تعد ورقة تفاوض ثنائية، بل ملفا مؤطرا بمرجعيات أممية واضحة، لم يعد ممكنا فتحه خارج هذا الإطار.

إسبانيا، التي سبق أن أعلنت دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها حلا جادا وواقعيا، تتعامل اليوم مع هذا الملف كقضية محسومة سياسيا، ومجمدة دبلوماسيا في علاقاتها الثنائية، سواء مع الجزائر أو مع موريتانيا. فمدريد اختارت البراغماتية الباردة: حماية مصالحها الاستراتيجية، دون العودة إلى سجالات تجاوزها الزمن الدولي.

هذا السياق يتقاطع مع الخطاب الأخير للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي بدا حذرا إلى حد الصمت في تعاطيه مع ملف الصحراء، مفضلا توجيه رسائل انفتاح تجاه الإدارة الأمريكية، والتأكيد على رغبة بلاده في الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الكبرى. صمت لا يمكن فصله عن التحولات العميقة التي يعرفها الملف، ولا عن إدراك جزائري متزايد بأن الخطاب التقليدي لم يعد قادرا على تعطيل مسار أممي يتقدم بثبات نحو تثبيت الحل المغربي كمرجعية وحيدة.

فالجزائر، التي لطالما راهنت على تدويل النزاع بخطاب المواجهة، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد: قرارات مجلس الأمن المتتالية، والدعم المتنامي لمبادرة الحكم الذاتي، والتحرك الأمريكي المباشر، كلها عوامل تقلص هامش المناورة، وتدفع نحو سياسة إدارة الخسارة بدل فرض الشروط.

في المقابل، يواصل المغرب التحرك بثقة داخل هذا السياق الدولي المتغير. فقد حل وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة بمدريد في إطار مشاورات مرتبطة بالمسار الأممي للنزاع، عقب لقاء رباعي غير مسبوق احتضنته سفارة الولايات المتحدة الأمريكية، وجمع المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، بحضور المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا، وبرعاية مباشرة من واشنطن.

وخلال هذه المشاورات، قدم المغرب الخطوط العريضة لمقترحه المحيّن للحكم الذاتي، مستندا إلى قرار مجلس الأمن الأخير، الذي كرس المبادرة المغربية باعتبارها الأساس الجدي والواقعي الوحيد لأي حل سياسي قابل للتطبيق. وهو ما يعني أن الرباط انتقلت من مرحلة الدفاع عن المقترح إلى مرحلة تنزيله وتفصيله سياسيا وقانونيا، مع إدخال عنصر الزمن كعامل حاسم بعد سنوات طويلة من الجمود.

إن ما يميز هذه المرحلة، ليس فقط تراكم الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، بل قدرة المغرب على تحويل هذا التراكم إلى مسار تفاوضي منضبط، ذي سقف زمني، ومرجعية واضحة، وهو ما يفسر حالة الصمت التي باتت تطبع مواقف بعض الأطراف المعنية، وفي مقدمتها الجزائر.

وتكشف تطورات مدريد أن قضية الصحراء المغربية دخلت مرحلة ما بعد الصراع المفتوح، حيث أصبح النقاش يدور حول "كيف سيتم تنزيل الحل". مرحلة يدار فيها النزاع بلغة الوثائق، والخرائط الزمنية، والتوافقات الأممية، لا بمنطق الشعارات والمزايدات.

وفي هذا السياق، يصبح الصمت أبلغ من أي خطاب. صمت إسباني يعكس حسم الموقف، وصمت جزائري يعكس تراجع القدرة على التأثير، وتحرك مغربي هادئ يعكس اقتراب لحظة الحسم. لحظة لا تعني فقط طي نزاع إقليمي طال أمده، بل تثبيت نموذج دبلوماسي قائم على النفس الطويل، والشرعية الدولية، وتحويل التوازنات الدولية إلى مكاسب سياسية مستدامة.

مقالات ذات صلة

تصاعد التوتر بين وهبي وهيئات المحامين بعد فشل مبادرة وساطة برلمانية
سياسة

تصاعد التوتر بين وهبي وهيئات المحامين بعد فشل مبادرة وساطة برلمانية

البوابة بريس- الرباطأكدت تقارير إعلامية، أن مبادرة وساطة برلمانية كانت قيد التداول بين وزارة العدل وهيئات المحامين بالمغرب، بهدف تجاوز...

0 تعليقات
وقفة وطنية وتصعيد مفتوح… المحامون يتمسكون بسحب مشروع قانون المهنة ويحذرون الحكومة
سياسة

وقفة وطنية وتصعيد مفتوح… المحامون يتمسكون بسحب مشروع قانون المهنة ويحذرون الحكومة

يوسف وفقير - الرباطاحتج آلاف المحامين المغاربة، أمس الجمعة، أمام مقر البرلمان بالعاصمة الرباط، رفضا لمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق...

0 تعليقات

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا

نحن نحترم خصوصيتك. لن نشارك بريدك مع أي طرف ثالث.

تعليقات الزوار (0)

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

أضف تعليقًا

سيتم مراجعة تعليقك قبل النشر

اشترك في نشرتنا البريدية

احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لموقع bawabapress.com © 2026
شروط الاستخدام سياسة الخصوصية تم إنشاء وإدارة الموقع بواسطة AppGeniusSARL