الاثنين, 07 سبتمبر 2026
اشترك الآن
Bawabapress

التعليم في المغرب بين تعميم التمدرس ونزيف الجودة: تقرير اليونسكو يضع الحكومة أمام مساءلة حقيقية

الثلاثاء 31 مارس 2026 1949
مشاركة:
التعليم في المغرب بين تعميم التمدرس ونزيف الجودة: تقرير اليونسكو يضع الحكومة أمام مساءلة حقيقية

يوسف وفقير – البوابة بريس

في أحدث تقاريره لسنة 2026، يرسم تقرير منظمة اليونسكو حول واقع التعليم في المغرب صورة مركبة، تجمع بين مؤشرات إيجابية على مستوى تعميم التمدرس، وأخرى مقلقة تكشف اختلالات عميقة في جودة التعلمات واستمرارية المسار الدراسي للتلاميذ. وبين هذا وذاك، تطرح الأرقام الصادمة سؤال النجاعة الحقيقية للسياسات العمومية في قطاع ظل لسنوات في صلب أولويات الدولة.

التقرير يسجل، من جهة، نجاح المغرب في تقليص عدد الأطفال غير المتمدرسين بشكل لافت، إذ تراجع العدد من أكثر من مليوني طفل سنة 2000 إلى حوالي 570 ألفا سنة 2023، أي بانخفاض يقارب 72%. كما شهدت البنية التحتية التعليمية توسعا ملحوظا، حيث تضاعف عدد المؤسسات الإعدادية والثانوية، وارتفعت نسب الولوج إلى التعليم، خاصة في السلك الإعدادي الذي بلغت نسبة التمدرس فيه نحو 90% من الفئة المستهدفة.

غير أن هذه المكاسب الكمية تخفي وراءها أزمة حقيقية في الاستمرارية، إذ يكشف التقرير أن 74% من التلاميذ يغادرون المدرسة دون الحصول على شهادة البكالوريا، فيما لا تتجاوز نسبة الناجحين في استكمال هذا المسار 26% فقط. ويبدأ هذا النزيف مبكرا، حيث لا يتم 16% من التلاميذ المرحلة الابتدائية، لترتفع النسبة بشكل حاد إلى 53% في الإعدادي، وتبلغ 74% في الثانوي التأهيلي.

الأخطر من ذلك، أن الولوج إلى المدرسة لم يعد مؤشرا كافيا على التعلم الفعلي. فحوالي 59% من تلاميذ الابتدائي لا يحققون الحد الأدنى من الكفاءة في القراءة، و78% في الرياضيات. وتزداد الصورة قتامة في الإعدادي، حيث يتجاوز ضعف التعلمات عتبة 80%، ما يعني أن الغالبية الساحقة من التلاميذ لا يمتلكون المهارات الأساسية رغم سنوات من التمدرس.

هذه الأرقام تطرح إشكال "مدرسة بلا تعلمات"، حيث يتحول التعليم إلى مجرد مسار شكلي يفتقد لجوهره التكويني. كما تعكس محدودية الإصلاحات المتعاقبة التي لم تنجح، حسب التقرير، في تحقيق تقدم ملموس في جودة التعليم بين 2015 و2024.

ولا تقف الاختلالات عند حدود الجودة، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي، حيث تؤكد المعطيات وجود علاقة قوية بين المستوى الاقتصادي للأسرة وفرص النجاح الدراسي. فالتلاميذ المنحدرون من أسر ميسورة يتمتعون بحظوظ أوفر في الاستمرار والتفوق، بينما يواجه أبناء الفئات الهشة، خاصة في العالم القروي، عراقيل بنيوية تدفعهم نحو الهدر المدرسي.

كما يسجل التقرير استمرار ظاهرة الاكتظاظ السني نتيجة التكرار، حيث إن ربع تلاميذ الإعدادي يتجاوزون السن المفترض لمستواهم الدراسي، في مؤشر على تعثر المسارات التعليمية. ورغم تراجع نسب التكرار في الابتدائي إلى 7%، فإنها عرفت منحى تصاعديا في الإعدادي، لتصل إلى 23% في بعض السنوات، ما يعكس محدودية نجاعة آليات الدعم البيداغوجي.

وعلى المستوى المالي، يكشف التقرير ارتفاع العبء على الأسر، إذ تضاعفت حصة التعليم من نفقاتها إلى 3.7%، بتكلفة سنوية تصل إلى 3,412 درهما للتلميذ في التعليم الثانوي، وهو ما يعمق الفوارق ويجعل التعليم الجيد امتيازا طبقيا أكثر منه حقا مكفولا للجميع.

في المقابل، لا يغفل التقرير بعض الجوانب الإيجابية، من قبيل التقدم "المهم جدا" في تعميم التعليم الأولي، الذي ارتفعت نسبة تغطيته من 49% سنة 2015 إلى 88% سنة 2024، إضافة إلى توسيع برامج الدعم الاجتماعي مثل "تيسير"، الذي استفاد منه 3.1 مليون تلميذ، وتطوير النقل المدرسي والداخليات، خاصة في الوسط القروي.

غير أن هذه المبادرات، رغم أهميتها، تبدو غير كافية أمام عمق الأزمة البنيوية التي يعاني منها النظام التعليمي. فالإشكال لم يعد مرتبطا فقط بولوج المدرسة، بل بقدرتها على إنتاج تعلم ذي جودة، يضمن تكافؤ الفرص ويؤهل التلاميذ لمتطلبات المستقبل.

في ضوء هذه المعطيات، يجد الفاعل الحكومي نفسه أمام اختبار حقيقي: هل تكفي سياسة توسيع العرض التعليمي دون إصلاح جذري للمضامين وطرق التدريس؟ وهل يمكن الحديث عن إصلاح ناجح في ظل استمرار نزيف الهدر وضعف التعلمات؟

تقرير اليونسكو لا يقدم فقط تشخيصا رقميا، بل يوجه، بشكل غير مباشر، نقدا لسياسات ركزت على الكم أكثر من الكيف. وهو ما يستدعي إعادة النظر في أولويات الإصلاح، والانتقال من منطق "تعميم التمدرس" إلى "تعميم التعلم"، باعتباره الرهان الحقيقي لأي منظومة تعليمية تسعى إلى النهوض والتنمية.

شاركنا رأيك

تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

10 أحرف على الأقل · سيتم المراجعة قبل النشر

0

تعليقات الزوار

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!

مقالات ذات صلة

كيف نحمي عاطفة الفتاة في العصر الرقمي؟
مجتمع

كيف نحمي عاطفة الفتاة في العصر الرقمي؟

بقلم: ذ. سارة القرباص توجيه عاطفة الفتاة في العصر الرقمي لم تعد تربية الفتاة في هذا العصر تقتصر على توفير حاجاتها الماديةأو متابعتها دراسيًا، بل أصبح الاهتمام بجانبها العاطفي ضرورةتربوية لا غنى عنها. فالعاطفة تحتاج إلى توجيه ورعاية، لا إلى كبتوإهمال، حتى تنمو نموًا سليمًا ومتزنًا.وقد تلاحظ الأم أن ابنتها دخلت في علاقات غير ناضجة استجابتفيها لعاطفتها أكثر من عقلها. وهنا تختلف مواقف الأسر؛ فمنها منيلجأ إلى المنع والتوبيخ، ومنها من يغض الطرف تمامًا، بينما يغيب فيالحالتين الاحتواء والحوار، وهما أساس العلاج.إن إهمال الجانب العاطفي لدى الفتاة، مع ضعف المتابعة والتوجيه،قد يجعلها أكثر عرضة للتأثر بعلاقات غير سوية، سواء من بعضالصديقات اللاتي يعشن تجارب عاطفية غير ناضجة، أو من خلالالتواصل مع الجنس الآخر عبر التطبيقات والمنصات الرقمية، خاصةمع اتساع استخدام الهواتف الذكية واعتماد الطالبات عليها فيالدراسة والتواصل.ولا شك أن التطبيقات التعليمية ومجموعات الدراسة قد تحقق فوائدكثيرة، لكنها قد تتحول أحيانًا إلى مدخل لمحادثات خاصة تبتعد عنأهدافها العلمية. فتبدأ المحادثة بشأن دراسي، ثم تمتد إلى موضوعاتشخصية أو عاطفية، خصوصًا إذا غابت المتابعة الحكيمة من الوالدين.كما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والأفلام والمسلسلاتتعرض أنماطًا من العلاقات الإنسانية قد لا تنسجم مع القيم الدينيةوالأخلاقية لمجتمعاتنا، ومع كثرة التكرار قد تستحسن بعض الفتياتتلك الصور، فتبحث عنها في واقعها دون إدراك لما قد يترتب عليها منآثار.ومن هنا تبرز أهمية أن تكون الأم أقرب الناس إلى ابنتها، لا رقيبًايترصد أخطاءها، وإنما صاحبةً وملاذًا آمنًا تجد عنده الفتاة الإصغاءوالتفهم. فكلما شعرت الابنة بالأمان في بيتها، قلَّ بحثها عن الاحتواءخارج أسرتها.كما ينبغي للأسرة أن تنظم استخدام الأجهزة الإلكترونية دون مبالغةفي المنع أو إطلاق العنان. ويمكن تخصيص أوقات محددة لاستعمالالهاتف، وتشجيع الاستخدام النافع في التعلم والاطلاع، مع إتاحةالترفيه في أجواء أسرية تسمح بالحوار والتوجيه عند الحاجة.والحوار الناجح لا يقوم على الاتهام أو التحقيق، وإنما على الهدوء،وحسن الاستماع، والصبر، واحترام مشاعر الفتاة. فالابنة التي تجدمن يصغي إليها داخل بيتها، تقل حاجتها إلى البحث عمن يسمعهاخارجه.إن بناء الثقة بين الأم وابنتها ليس أمرًا عارضًا، بل هو مشروع تربويطويل يحتاج إلى وقت وحكمة وصبر. وعندما تشعر الفتاة بالراحةوالطمأنينة وهي تشارك أمها تفاصيل حياتها، تصبح الأسرة حصنًايحميها من كثير من المؤثرات السلبية التي يفرضها العالم الرقمي.إن أبناءنا وبناتنا لا يحتاجون إلى مزيد من الرقابة بقدر حاجتهم إلىمزيد من القرب والاحتواء. فحيث يغيب الإصغاء الصادق، قد يجدونمن يصغي إليهم، وليس كل من يصغي إليهم يريد لهم الخير.

0 تعليقات
موظفو التعليم العالي يصعّدون: إضرابان لـ72 ساعة ومقاطعة للدخول الجامعي
مجتمع

موظفو التعليم العالي يصعّدون: إضرابان لـ72 ساعة ومقاطعة للدخول الجامعي

يوسف وفقيريبدو أن الدخول الجامعي الجديد مهدد بمزيد من الاحتقان، بعدما أعلنت ثلاث نقابات تمثل موظفي التعليم العالي عن برنامج...

0 تعليقات

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا

نحن نحترم خصوصيتك. لن نشارك بريدك مع أي طرف ثالث.

اشترك في نشرتنا البريدية

احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لموقع bawabapress.com © 2026
شروط الاستخدام سياسة الخصوصية تم إنشاء وإدارة الموقع بواسطة AppGeniusSARL