يوسف وفقير - الرباط
احتضنت مدينة سلا اليوم الثلاثاء تقديم الاستراتيجية الخماسية الجديدة للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، حيث شدد رئيسها محمد بنعليلو على أن محاربة الفساد لم تعد تحتمل منطق ردّ الفعل أو انتظار وقوع الضرر قبل التدخل، بقدر ما تحتاج إلى تحول مؤسسي عميق يقوم على الوقاية الذكية والاستباقية، وبناء منظومة قادرة على فهم الظواهر المرتبطة بالفساد وقياسها والتنبؤ بها. وأكد أن المقاربة الجديدة تستند إلى رؤية شمولية تجعل من النزاهة نظاما عاما يشمل القطاعين العام والخاص، وينخرط فيه المجتمع ككل، انسجاما مع التوجيهات الملكية التي اعتبرت النزاهة مسؤولية مشتركة وليست مجالا للمزايدات أو المبادرات المعزولة.
وأوضح بنعليلو أن الاستراتيجية تعتمد على مرجعيتين أساسيتين: الإطار الدستوري الذي رسخ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة ضمن أسس الدولة الحديثة، والتحول القانوني الذي منح الهيئة صلاحيات واسعة باعتبارها قطبا مرجعيا في قيادة سياسات النزاهة وتوجيهها. وأضاف أن الفساد لم يعد مجرد تجاوزات فردية أو ممارسات بسيطة، بل بات ظاهرة منظمة ذات امتدادات تقنية ومالية، تستعمل أدوات متطورة لإخفاء المعطيات وتهريب الأموال، الأمر الذي يفرض اعتماد آليات حديثة تتجاوز الأساليب التقليدية.
وتقوم الاستراتيجية الجديدة على تصور واسع يتوزع على ستة محاور كبرى تنبثق عنها أربعة وعشرون محورا تنفيذيا ومجموع تسعة وتسعين مشروعا مهيكلا، تتوفر كلها على مؤشرات قياس وآليات تتبع سنوية. ويرى رئيس الهيئة أن هذه الحزمة ليست مجرد إعلان نوايا، بل تمثل "تعاقدا مؤسساتيا" بين الهيئة ومختلف أجهزة الدولة والمجتمع، بغرض الانتقال من المقاربة التقنية الضيقة إلى مشروع مجتمعي متكامل يعيد الاعتبار لقيمة النزاهة.
وتشمل هذه الرؤية تطوير منظومة وطنية للقياس والمؤشرات، وإطلاق باروميتر وطني للنزاهة، وتمكين الفاعلين العموميين والخواص والمجتمع المدني من آليات الوقاية واليقظة المبكرة، وتعزيز أنظمة التبليغ الآمن وتدبير تضارب المصالح، إضافة إلى إشاعة ثقافة النزاهة عبر التربية والإعلام ودعم الصحافة الاستقصائية، والانفتاح على الشراكات الدولية متعددة الأطراف باعتبارها رافعة لحماية المصالح الوطنية. كما تضع الاستراتيجية التحول الرقمي في صلب أدواتها من خلال رقمنة المساطر، واعتماد حكامة البيانات، واستثمار الذكاء المؤسسي في التحليل واتخاذ القرار. وتأتي الجاهزية التنظيمية للهيئة كعنصر محوري، عبر تعزيز الحكامة الداخلية وتوسيع الحضور الجهوي وتقوية آليات المساءلة.
وشدد بنعليلو على أن نجاح هذه الرؤية لن يتحقق دون انخراط فعلي لمختلف مؤسسات الدولة، من حكومة وبرلمان وسلطة قضائية وهيئات رقابية، إلى جانب القطاع الخاص والمجتمع المدني والإعلام، مؤكدا أن النزاهة تبقى شرطا أساسيا لبناء دولة اجتماعية قوية، ودعم الاستثمار، وترسيخ الثقة بين المواطن والمرفق العام. واعتبر أن الهدف هو جعل سنة 2030 محطة تحول مؤسسي وثقافي حقيقي، يشعر من خلاله المواطن والمستثمر بوجود هيئة فعالة وقادرة على لعب دور المحفز داخل منظومة النزاهة. وختم بالقول إن المطلوب اليوم هو تحويل الاستراتيجية الخماسية من وثيقة مرجعية إلى ممارسة يومية تحدث أثرا ملموسا وتعيد بناء الثقة باعتبارها الرأسمال المؤسسي الأهم لضمان نجاح الإصلاح والتنمية.
تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين
بقلم: ذ. سارة القرباص توجيه عاطفة الفتاة في العصر الرقمي لم تعد تربية الفتاة في هذا العصر تقتصر على توفير حاجاتها الماديةأو متابعتها دراسيًا، بل أصبح الاهتمام بجانبها العاطفي ضرورةتربوية لا غنى عنها. فالعاطفة تحتاج إلى توجيه ورعاية، لا إلى كبتوإهمال، حتى تنمو نموًا سليمًا ومتزنًا.وقد تلاحظ الأم أن ابنتها دخلت في علاقات غير ناضجة استجابتفيها لعاطفتها أكثر من عقلها. وهنا تختلف مواقف الأسر؛ فمنها منيلجأ إلى المنع والتوبيخ، ومنها من يغض الطرف تمامًا، بينما يغيب فيالحالتين الاحتواء والحوار، وهما أساس العلاج.إن إهمال الجانب العاطفي لدى الفتاة، مع ضعف المتابعة والتوجيه،قد يجعلها أكثر عرضة للتأثر بعلاقات غير سوية، سواء من بعضالصديقات اللاتي يعشن تجارب عاطفية غير ناضجة، أو من خلالالتواصل مع الجنس الآخر عبر التطبيقات والمنصات الرقمية، خاصةمع اتساع استخدام الهواتف الذكية واعتماد الطالبات عليها فيالدراسة والتواصل.ولا شك أن التطبيقات التعليمية ومجموعات الدراسة قد تحقق فوائدكثيرة، لكنها قد تتحول أحيانًا إلى مدخل لمحادثات خاصة تبتعد عنأهدافها العلمية. فتبدأ المحادثة بشأن دراسي، ثم تمتد إلى موضوعاتشخصية أو عاطفية، خصوصًا إذا غابت المتابعة الحكيمة من الوالدين.كما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والأفلام والمسلسلاتتعرض أنماطًا من العلاقات الإنسانية قد لا تنسجم مع القيم الدينيةوالأخلاقية لمجتمعاتنا، ومع كثرة التكرار قد تستحسن بعض الفتياتتلك الصور، فتبحث عنها في واقعها دون إدراك لما قد يترتب عليها منآثار.ومن هنا تبرز أهمية أن تكون الأم أقرب الناس إلى ابنتها، لا رقيبًايترصد أخطاءها، وإنما صاحبةً وملاذًا آمنًا تجد عنده الفتاة الإصغاءوالتفهم. فكلما شعرت الابنة بالأمان في بيتها، قلَّ بحثها عن الاحتواءخارج أسرتها.كما ينبغي للأسرة أن تنظم استخدام الأجهزة الإلكترونية دون مبالغةفي المنع أو إطلاق العنان. ويمكن تخصيص أوقات محددة لاستعمالالهاتف، وتشجيع الاستخدام النافع في التعلم والاطلاع، مع إتاحةالترفيه في أجواء أسرية تسمح بالحوار والتوجيه عند الحاجة.والحوار الناجح لا يقوم على الاتهام أو التحقيق، وإنما على الهدوء،وحسن الاستماع، والصبر، واحترام مشاعر الفتاة. فالابنة التي تجدمن يصغي إليها داخل بيتها، تقل حاجتها إلى البحث عمن يسمعهاخارجه.إن بناء الثقة بين الأم وابنتها ليس أمرًا عارضًا، بل هو مشروع تربويطويل يحتاج إلى وقت وحكمة وصبر. وعندما تشعر الفتاة بالراحةوالطمأنينة وهي تشارك أمها تفاصيل حياتها، تصبح الأسرة حصنًايحميها من كثير من المؤثرات السلبية التي يفرضها العالم الرقمي.إن أبناءنا وبناتنا لا يحتاجون إلى مزيد من الرقابة بقدر حاجتهم إلىمزيد من القرب والاحتواء. فحيث يغيب الإصغاء الصادق، قد يجدونمن يصغي إليهم، وليس كل من يصغي إليهم يريد لهم الخير.
يوسف وفقيريبدو أن الدخول الجامعي الجديد مهدد بمزيد من الاحتقان، بعدما أعلنت ثلاث نقابات تمثل موظفي التعليم العالي عن برنامج...
اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا
احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!