الجمعة, 24 يوليو 2026
اشترك الآن
Bawabapress

بين "عدمية المعارضة" و"كسل الوزراء".. حين يُقصى المواطن من المشهد

الخميس 13 نوفمبر 2025 1847
مشاركة:
بين "عدمية المعارضة" و"كسل الوزراء".. حين يُقصى المواطن من المشهد

يوسف وفقير - الرباط

مرة أخرى، يتبارى ممثلو الأمة في البرلمان لا على مشاريع تنفع الناس، بل على من يتقن فن تبادل التهم أكثر. الأغلبية تصرخ في وجه المعارضة: أنتم عدميون تهدمون ولا تبنون! والمعارضة ترد بجرأة: الأغلبية عدد بلا معنى وحكومة من "الوزراء الكسالى"!! ...وبين الصراخ والرد، يضيع صوت المواطن الذي لم يبعث أحدا ليتحدث باسمه بهذه اللغة الخشبية.

في الجلسة الأخيرة لمناقشة الجزء الأول من قانون المالية، اختارت الأغلبية أن ترفع شعار "محاربة المال المشبوه" والعدمية السياسية، معتبرة أن المعارضة تسخر من كل إنجاز وتضعف الثقة في المؤسسات: فقال رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار إن العدمية "مرض يصيب الحياة السياسية"، وأن من السهل أن نهدم لكن من الصعب أن نبني. أما زميله من الأصالة والمعاصرة فراح يعدد إنجازات الحكومة بالأرقام، من النمو إلى المداخيل الجبائية، مرورا بالدعم المباشر الذي سيرتفع إلى 29 مليار درهم سنة 2026. وحتى الفريق الاستقلالي دخل على الخط، مطالبا بإبعاد "تجار الأزمات" والمال المشبوه عن السياسة، مؤكدا أنه لا مكان للمفسدين في تدبير الشأن العام.

كل شيء جميل في الخطاب، لولا أن الواقع شيء آخر. فالمواطن الذي يسمع كل هذه الخطب لا يرى لا إنجازا ولا تلاحما، بل يرى الأسعار ترتفع والقدرة الشرائية تنهار، و"العدمية" الوحيدة التي يعرفها هي عدمية الجيب حين يفرغ في منتصف الشهر.

لكن المعارضة لم تفوت الفرصة لترد الصاع صاعين. عبد الرحيم شهيد، رئيس الفريق الاشتراكي، انتقد "الأغلبية العددية التي لا تصنع التاريخ"، وقال إن نواب الأغلبية يبدؤون مداخلاتهم بالثناء على الحكومة وينتهون بالاحتجاج عليها، في مفارقة تثير الشفقة لا الإعجاب. أما إدريس السنتيسي، رئيس الفريق الحركي، فاختصرها في جملة قاسية: "عندنا وزراء كسالى ما كيعرفوش يديرو والو"، قبل أن يستثني فوزي لقجع باعتباره الوزير الوحيد "اللي عندو تراكم". أحمد العبادي من التقدم والاشتراكية بدوره تحدث عن وعود مليون منصب شغل التي تبخرت، وعن الهدر في المال العام، وعن الفقر والهشاشة التي تتفاقم في القرى. وجاء دور عبد الله بوانو، الذي رمى الحكومة بتهم ثقيلة: "سطو على إنجازات الملك"، وبمقولته الشهيرة: تضارب المصالح والصفقات، والسطو تحت الأضواء الكاشفة، بل واعتبرها "حكومة الفراقشية" التي حرمت المغاربة من عيد الأضحى.

في خضم هذا السباق في توزيع الأوصاف، يحق لنا أن نسأل: واش المواطن خاصو يسمع "عدمية المعارضة" ولا "كسل الوزراء"؟ واش الجدل حول من سرق الإنجاز أهم ممن سرق أحلام الناس في التعليم والصحة والشغل الكريم؟ الأغلبية تتحدث عن المفسدين والمال المشبوه، والمعارضة ترد بالاحتجاجات والصفقات، ولكن الطرفين معا ينسون أن الفساد الحقيقي هو لما تفقد النخبة السياسية ثقة المواطن فيها، ولما يشعر المغاربة أن كل هذا النقاش مجرد مسرحية لا بطل فيها إلا الصراع على الكراسي.

في القرى والبوادي، حيث تبدأ أولى قطرات المطر، لا يسمع الناس صدى هذه الخطب. يسمعون فقط هدير السيول التي تقطع الطرق وتعزلهم عن العالم. هناك، لا يعرف الناس أسماء الوزراء ولا رؤساء الفرق، يعرفون فقط أن الطريق غير معبدة، وأن المستوصف مغلق، وأن المعلم يغيب، وأن الإدارة بعيدة. هناك، السياسة ليست لون حزب ولا شعار برنامج، بل حفرة في طريق تغرق عجلات الإسعاف، وقنطرة متهالكة تفصلهم عن الأسواق، وشباب بلا شغل يرحلون في صمت.

فيماذا سينفع الفلاح الصغير في زاكورة أو طاطا أن يسمع أن المعارضة عدَمية أو أن الوزير كسول؟ وماذا سيفعل التلميذ الذي يقطع الكيلومترات في البرد ليسمع أن "المالية العمومية بخير"؟ هذا التراشق بين الأغلبية والمعارضة قد يملأ القنوات والمواقع، لكنه لا يملأ ثلاجة المواطن ولا يعيد له كرامته.

البلاد اليوم لا تحتاج إلى معارضة تلعن ولا إلى أغلبية تبرر، بل إلى سياسة تنصت. إلى برلمان يرفع رأسه نحو المغرب المنسي لا نحو الكاميرات. فالمغرب لا يبنى بالخطب ولا بالأرقام التي تقال في القبة، بل بتلك الطرق التي تعبد في صمت، والمدارس التي تفتح دون ضجيج، والمستشفيات التي تداوي الفقراء دون مواعيد مسبقة.

في النهاية، قد تتغير الأغلبية وقد تتبدل المعارضة، لكن الفقر لا يتغير، والوحل نفسه ينتظر أولى قطرات الشتاء ليبتلع ما تبقى من وعودهم.

شاركنا رأيك

تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

10 أحرف على الأقل · سيتم المراجعة قبل النشر

0

تعليقات الزوار

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!

أحدث الأخبار

واشنطن تكثف الضغط على طهران: غارات جديدة وميزانية دفاعية غير مسبوقة تتجاوز 1.15 تريليون دولار

واشنطن تكثف الضغط على طهران: غارات جديدة وميزانية دفاعية غير مسبوقة تتجاوز 1.15 تريليون دولار

منذ 14 ساعة
قسم قضاء الأسرة مشروع وزارة العدل بصفرو

قسم قضاء الأسرة مشروع وزارة العدل بصفرو

منذ يومين
بنك المغرب: الدعم الشامل يفيد الأغنياء أكثر.. و32 مليار درهم إعفاءات ضريبية تستدعي التقييم

بنك المغرب: الدعم الشامل يفيد الأغنياء أكثر.. و32 مليار درهم إعفاءات ضريبية تستدعي التقييم

منذ يومين
تزنيت تنبض بإيقاع الراب الهادف… مسلم يصنع ليلة استثنائية في مهرجان تيميزار للفضة

تزنيت تنبض بإيقاع الراب الهادف… مسلم يصنع ليلة استثنائية في مهرجان تيميزار للفضة

منذ 3 أيام
البهاليل تحتفي بتراث "العقاد" في أول دورة لمهرجان الأزرار الحريرية

البهاليل تحتفي بتراث "العقاد" في أول دورة لمهرجان الأزرار الحريرية

منذ 4 أيام
حصري: المدير الإقليمي للتعليم بالنيابة بصفرو يطلب إنهاء مهامه لأسباب عائلية قاهرة

حصري: المدير الإقليمي للتعليم بالنيابة بصفرو يطلب إنهاء مهامه لأسباب عائلية قاهرة

منذ 4 أيام
وهبي: تبسيط مساطر ملتمسات التشريع لا ينبغي أن يمس بجديتها أو يحولها إلى بديل عن البرلمان

وهبي: تبسيط مساطر ملتمسات التشريع لا ينبغي أن يمس بجديتها أو يحولها إلى بديل عن البرلمان

منذ 5 أيام
البنك الدولي يخصص 15 مليار دولار لدعم التشغيل والاستثمار بالمغرب حتى 2035

البنك الدولي يخصص 15 مليار دولار لدعم التشغيل والاستثمار بالمغرب حتى 2035

منذ 6 أيام
البرلمان الأوروبي يصادق بأغلبية ساحقة على تمديد مشاركة المغرب في أكبر برنامج بحثي بالمتوسط

البرلمان الأوروبي يصادق بأغلبية ساحقة على تمديد مشاركة المغرب في أكبر برنامج بحثي بالمتوسط

منذ أسبوع
المغرب يوقع اتفاق المشاركة في قوة الاستقرار الدولية بغزة تنفيذا للتعليمات الملكية

المغرب يوقع اتفاق المشاركة في قوة الاستقرار الدولية بغزة تنفيذا للتعليمات الملكية

منذ أسبوع

مقالات ذات صلة

مجلس الحكومة يتخذ حزمة قرارات لتعزيز القدرة الشرائية.. إعفاءات لاستيراد المواشي، خفض أسعار الأدوية وتعيينات في مناصب عليا
سياسة

مجلس الحكومة يتخذ حزمة قرارات لتعزيز القدرة الشرائية.. إعفاءات لاستيراد المواشي، خفض أسعار الأدوية وتعيينات في مناصب عليا

اتخذ مجلس الحكومة، خلال اجتماعه المنعقد اليوم الأربعاء برئاسة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، سلسلة من القرارات التي تجمع بين البعد...

0 تعليقات
تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، إلى جانب اللجان الإقليمية والجهوية تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية
سياسة

تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، إلى جانب اللجان الإقليمية والجهوية تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية

تنفيذا للأمر المولوي السامي، الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده إلى وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة...

0 تعليقات

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا

نحن نحترم خصوصيتك. لن نشارك بريدك مع أي طرف ثالث.

اشترك في نشرتنا البريدية

احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لموقع bawabapress.com © 2026
شروط الاستخدام سياسة الخصوصية تم إنشاء وإدارة الموقع بواسطة AppGeniusSARL