الجمعة, 24 يوليو 2026
اشترك الآن
Bawabapress

المغرب أمام مجلس الأمن: دبلوماسية الثقة ورهان الحسم الهادئ

الخميس 30 أكتوبر 2025 2079
مشاركة:
المغرب أمام مجلس الأمن: دبلوماسية الثقة ورهان الحسم الهادئ

 

بقلم : يوسف وفقير

من المنتظر أن يصوت مجلس الأمن الدولي، غدا الجمعة، على مشروع القرار الأميركي المتعلق بالصحراء المغربية، بعدما تأجلت الجلسة التي كانت مقررة اليوم الخميس بسبب اجتماع طارئ خصص للوضع في السودان. ويأتي هذا التصويت في سياق دبلوماسي خاص، حيث تتقاطع فيه موازين القوى الدولية مع رصيد المغرب المتنامي في كسب ثقة العواصم المؤثرة داخل المجلس.

خلافا لما كان عليه الحال في سنوات مضت، لا يبدو أن الرباط تترقب هذا التصويت بقلق أو توتر. فالمزاج العام داخل المغرب يسوده قدر كبير من الاطمئنان والثقة في الدبلوماسية الوطنية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس، والتي أثبتت في كل المحطات أنها تراكم الانتصارات بصمت وتعيد صياغة الخطاب الأممي بلغة مغربية واقعية. فما كان يسمى يوما "ملف الصحراء" بات اليوم نموذجا يُدرس في مدرسة الدبلوماسية الذكية التي تمزج بين الحزم والحكمة.

التحولات داخل أروقة الأمم المتحدة نفسها تؤكد هذا المنحى. فخطاب "الاستفتاء" و"تقرير المصير" الذي كان يُردد لسنوات فقد بريقه، وحلت مكانه صيغة "الحل السياسي الواقعي والدائم والمتوافق عليه"، وهي الصيغة التي ترعاها قرارات مجلس الأمن المتعاقبة منذ أكثر من عقد، والتي تعتبر ثمرة الجهد المغربي المستمر في إقناع المجتمع الدولي بأن مبادرة الحكم الذاتي ليست مجرد مقترح، بل مشروع استقرار إقليمي كامل.

الولايات المتحدة، بصفتها صاحبة القلم في هذا الملف، دفعت خلال الأسابيع الأخيرة بمشروع قرار جديد يجسد هذا التوجه. المشروع الأميركي يشدد على الحل الواقعي في إطار السيادة المغربية، مع المحافظة على التوازن اللغوي التقليدي الذي يتيح للأطراف المتحفظة التماهي معه دون إحراج. ورغم ذلك، فإن المضمون واضح: واشنطن ماضية في تثبيت خيار الحكم الذاتي كخيار أممي، بينما ما تزال الجزائر وجبهة البوليساريو تراوحان مكانهما في لغة الماضي، متمسكتين بخطاب فقد صداه داخل المجلس وخارجه.

و على مستوى المواقف، فالمشهد لا يحمل مفاجآت كبيرة. ففرنسا والمملكة المتحدة ومعظم الأعضاء غير الدائمين يدعمون المسار الذي ترعاه الولايات المتحدة، فيما عبر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، قبل أيام، عن دعم بلاده للقرارات الأممية التي تدعو إلى حل سياسي واقعي ودائم وعادل للطرفين، وهي إشارة غير مباشرة إلى توافق موسكو مع المقاربة المغربية. ومن غير المرجح أن تتخذ الصين موقفا مغايرا، بالنظر إلى انسجام مواقف البلدين في الملفات ذات الطابع السيادي. هذا التطور يجعل من تمرير القرار الأميركي المرتقب مسألة شبه محسومة، خصوصا أن الجو العام في الأمم المتحدة بات ميالا إلى الحلول العملية لا إلى إعادة تدوير النقاشات العقيمة.

في المقابل، يظهر المغرب أكثر هدوءا من أي وقت مضى. فالدولة التي اعتادت الدفاع عن موقفها في ظروف معقدة لم تعد تنتظر "المفاجآت"، بل تتعامل مع قرارات مجلس الأمن كجزء من مسار دبلوماسي مستمر توجه بوصلته القيادة الملكية الرشيدة. المواطن المغربي بدوره يتابع الملف بثقة، وهو يرى في كل محطة جديدة تأكيدا إضافيا على وجاهة المقاربة التي اختارها بلده. فمن العيون إلى الداخلة، تشهد الأقاليم الجنوبية دينامية تنموية حقيقية، تجعل الحديث عن "نزاع" أقرب إلى مفارقة لغوية منه إلى واقع سياسي.

إن المغرب اليوم لا يراهن على التصويت في حد ذاته، بقدر ما يراهن على ترسيخ قناعة المجتمع الدولي بأن الحل الوحيد الواقعي هو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وهذه القناعة لم تعد مجرد شعار، بل حقيقة دبلوماسية تتجسد في بيانات العواصم الكبرى وتصريحات المسؤولين الأمميين. ومن هنا تأتي الثقة الهادئة التي تطبع الخطاب الرسمي والإعلامي في المغرب: ثقة في المسار، لا في اللحظة، وثقة في تراكم الإنجازات لا في عناوين القرارات.

وفي خضم هذه الأجواء، لا يسع المراقب إلا أن يسجل ذلك التحول العميق في طريقة تعاطي المغرب مع قضيته الوطنية. فبعد أن كانت المملكة ترد على المبادرات، أصبحت اليوم هي التي تصوغها وتدير إيقاعها، فيما يتوارى خصومها خلف بيانات متكررة فقدت وزنها حتى لدى حلفائها. لقد تحول الصمت المغربي إلى لغة ديبلوماسية قائمة بذاتها، تُقرأ في ملامح الثقة التي تعبر عنها المؤسسات وفي يقين الشارع بأن التاريخ يسير في الاتجاه الصحيح.

غدا، حين يصوت مجلس الأمن، لن يكون المغرب في موقع المترقب، بل في موقع المطمئن إلى عدالة قضيته وقوة تحالفاته وصلابة مشروعه الوطني. فبقيادة جلالة الملك محمد السادس، أثبتت الدبلوماسية المغربية أنها قادرة على الجمع بين الشرعية التاريخية والمشروعية الواقعية، وأنها لا تحتاج إلى ضجيج كي تقنع العالم بما هو بديهي: الصحراء مغربية، والحكم الذاتي هو المستقبل.

شاركنا رأيك

تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

10 أحرف على الأقل · سيتم المراجعة قبل النشر

0

تعليقات الزوار

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!

أحدث الأخبار

واشنطن تكثف الضغط على طهران: غارات جديدة وميزانية دفاعية غير مسبوقة تتجاوز 1.15 تريليون دولار

واشنطن تكثف الضغط على طهران: غارات جديدة وميزانية دفاعية غير مسبوقة تتجاوز 1.15 تريليون دولار

منذ 14 ساعة
قسم قضاء الأسرة مشروع وزارة العدل بصفرو

قسم قضاء الأسرة مشروع وزارة العدل بصفرو

منذ يومين
بنك المغرب: الدعم الشامل يفيد الأغنياء أكثر.. و32 مليار درهم إعفاءات ضريبية تستدعي التقييم

بنك المغرب: الدعم الشامل يفيد الأغنياء أكثر.. و32 مليار درهم إعفاءات ضريبية تستدعي التقييم

منذ يومين
تزنيت تنبض بإيقاع الراب الهادف… مسلم يصنع ليلة استثنائية في مهرجان تيميزار للفضة

تزنيت تنبض بإيقاع الراب الهادف… مسلم يصنع ليلة استثنائية في مهرجان تيميزار للفضة

منذ 3 أيام
البهاليل تحتفي بتراث "العقاد" في أول دورة لمهرجان الأزرار الحريرية

البهاليل تحتفي بتراث "العقاد" في أول دورة لمهرجان الأزرار الحريرية

منذ 4 أيام
حصري: المدير الإقليمي للتعليم بالنيابة بصفرو يطلب إنهاء مهامه لأسباب عائلية قاهرة

حصري: المدير الإقليمي للتعليم بالنيابة بصفرو يطلب إنهاء مهامه لأسباب عائلية قاهرة

منذ 4 أيام
وهبي: تبسيط مساطر ملتمسات التشريع لا ينبغي أن يمس بجديتها أو يحولها إلى بديل عن البرلمان

وهبي: تبسيط مساطر ملتمسات التشريع لا ينبغي أن يمس بجديتها أو يحولها إلى بديل عن البرلمان

منذ 5 أيام
البنك الدولي يخصص 15 مليار دولار لدعم التشغيل والاستثمار بالمغرب حتى 2035

البنك الدولي يخصص 15 مليار دولار لدعم التشغيل والاستثمار بالمغرب حتى 2035

منذ 6 أيام
البرلمان الأوروبي يصادق بأغلبية ساحقة على تمديد مشاركة المغرب في أكبر برنامج بحثي بالمتوسط

البرلمان الأوروبي يصادق بأغلبية ساحقة على تمديد مشاركة المغرب في أكبر برنامج بحثي بالمتوسط

منذ أسبوع
المغرب يوقع اتفاق المشاركة في قوة الاستقرار الدولية بغزة تنفيذا للتعليمات الملكية

المغرب يوقع اتفاق المشاركة في قوة الاستقرار الدولية بغزة تنفيذا للتعليمات الملكية

منذ أسبوع

مقالات ذات صلة

مجلس الحكومة يتخذ حزمة قرارات لتعزيز القدرة الشرائية.. إعفاءات لاستيراد المواشي، خفض أسعار الأدوية وتعيينات في مناصب عليا
سياسة

مجلس الحكومة يتخذ حزمة قرارات لتعزيز القدرة الشرائية.. إعفاءات لاستيراد المواشي، خفض أسعار الأدوية وتعيينات في مناصب عليا

اتخذ مجلس الحكومة، خلال اجتماعه المنعقد اليوم الأربعاء برئاسة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، سلسلة من القرارات التي تجمع بين البعد...

0 تعليقات
تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، إلى جانب اللجان الإقليمية والجهوية تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية
سياسة

تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، إلى جانب اللجان الإقليمية والجهوية تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية

تنفيذا للأمر المولوي السامي، الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده إلى وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة...

0 تعليقات

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا

نحن نحترم خصوصيتك. لن نشارك بريدك مع أي طرف ثالث.

اشترك في نشرتنا البريدية

احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لموقع bawabapress.com © 2026
شروط الاستخدام سياسة الخصوصية تم إنشاء وإدارة الموقع بواسطة AppGeniusSARL