يوسف وفقير – البوابة بريس
في أحدث تقاريره لسنة 2026، يرسم تقرير منظمة اليونسكو حول واقع التعليم في المغرب صورة مركبة، تجمع بين مؤشرات إيجابية على مستوى تعميم التمدرس، وأخرى مقلقة تكشف اختلالات عميقة في جودة التعلمات واستمرارية المسار الدراسي للتلاميذ. وبين هذا وذاك، تطرح الأرقام الصادمة سؤال النجاعة الحقيقية للسياسات العمومية في قطاع ظل لسنوات في صلب أولويات الدولة.
التقرير يسجل، من جهة، نجاح المغرب في تقليص عدد الأطفال غير المتمدرسين بشكل لافت، إذ تراجع العدد من أكثر من مليوني طفل سنة 2000 إلى حوالي 570 ألفا سنة 2023، أي بانخفاض يقارب 72%. كما شهدت البنية التحتية التعليمية توسعا ملحوظا، حيث تضاعف عدد المؤسسات الإعدادية والثانوية، وارتفعت نسب الولوج إلى التعليم، خاصة في السلك الإعدادي الذي بلغت نسبة التمدرس فيه نحو 90% من الفئة المستهدفة.
غير أن هذه المكاسب الكمية تخفي وراءها أزمة حقيقية في الاستمرارية، إذ يكشف التقرير أن 74% من التلاميذ يغادرون المدرسة دون الحصول على شهادة البكالوريا، فيما لا تتجاوز نسبة الناجحين في استكمال هذا المسار 26% فقط. ويبدأ هذا النزيف مبكرا، حيث لا يتم 16% من التلاميذ المرحلة الابتدائية، لترتفع النسبة بشكل حاد إلى 53% في الإعدادي، وتبلغ 74% في الثانوي التأهيلي.
الأخطر من ذلك، أن الولوج إلى المدرسة لم يعد مؤشرا كافيا على التعلم الفعلي. فحوالي 59% من تلاميذ الابتدائي لا يحققون الحد الأدنى من الكفاءة في القراءة، و78% في الرياضيات. وتزداد الصورة قتامة في الإعدادي، حيث يتجاوز ضعف التعلمات عتبة 80%، ما يعني أن الغالبية الساحقة من التلاميذ لا يمتلكون المهارات الأساسية رغم سنوات من التمدرس.
هذه الأرقام تطرح إشكال "مدرسة بلا تعلمات"، حيث يتحول التعليم إلى مجرد مسار شكلي يفتقد لجوهره التكويني. كما تعكس محدودية الإصلاحات المتعاقبة التي لم تنجح، حسب التقرير، في تحقيق تقدم ملموس في جودة التعليم بين 2015 و2024.
ولا تقف الاختلالات عند حدود الجودة، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي، حيث تؤكد المعطيات وجود علاقة قوية بين المستوى الاقتصادي للأسرة وفرص النجاح الدراسي. فالتلاميذ المنحدرون من أسر ميسورة يتمتعون بحظوظ أوفر في الاستمرار والتفوق، بينما يواجه أبناء الفئات الهشة، خاصة في العالم القروي، عراقيل بنيوية تدفعهم نحو الهدر المدرسي.
كما يسجل التقرير استمرار ظاهرة الاكتظاظ السني نتيجة التكرار، حيث إن ربع تلاميذ الإعدادي يتجاوزون السن المفترض لمستواهم الدراسي، في مؤشر على تعثر المسارات التعليمية. ورغم تراجع نسب التكرار في الابتدائي إلى 7%، فإنها عرفت منحى تصاعديا في الإعدادي، لتصل إلى 23% في بعض السنوات، ما يعكس محدودية نجاعة آليات الدعم البيداغوجي.
وعلى المستوى المالي، يكشف التقرير ارتفاع العبء على الأسر، إذ تضاعفت حصة التعليم من نفقاتها إلى 3.7%، بتكلفة سنوية تصل إلى 3,412 درهما للتلميذ في التعليم الثانوي، وهو ما يعمق الفوارق ويجعل التعليم الجيد امتيازا طبقيا أكثر منه حقا مكفولا للجميع.
في المقابل، لا يغفل التقرير بعض الجوانب الإيجابية، من قبيل التقدم "المهم جدا" في تعميم التعليم الأولي، الذي ارتفعت نسبة تغطيته من 49% سنة 2015 إلى 88% سنة 2024، إضافة إلى توسيع برامج الدعم الاجتماعي مثل "تيسير"، الذي استفاد منه 3.1 مليون تلميذ، وتطوير النقل المدرسي والداخليات، خاصة في الوسط القروي.
غير أن هذه المبادرات، رغم أهميتها، تبدو غير كافية أمام عمق الأزمة البنيوية التي يعاني منها النظام التعليمي. فالإشكال لم يعد مرتبطا فقط بولوج المدرسة، بل بقدرتها على إنتاج تعلم ذي جودة، يضمن تكافؤ الفرص ويؤهل التلاميذ لمتطلبات المستقبل.
في ضوء هذه المعطيات، يجد الفاعل الحكومي نفسه أمام اختبار حقيقي: هل تكفي سياسة توسيع العرض التعليمي دون إصلاح جذري للمضامين وطرق التدريس؟ وهل يمكن الحديث عن إصلاح ناجح في ظل استمرار نزيف الهدر وضعف التعلمات؟
تقرير اليونسكو لا يقدم فقط تشخيصا رقميا، بل يوجه، بشكل غير مباشر، نقدا لسياسات ركزت على الكم أكثر من الكيف. وهو ما يستدعي إعادة النظر في أولويات الإصلاح، والانتقال من منطق "تعميم التمدرس" إلى "تعميم التعلم"، باعتباره الرهان الحقيقي لأي منظومة تعليمية تسعى إلى النهوض والتنمية.
في باقي جهة فاس_ مكناس، يعيش المواطنون صدمة يومية أمام فواتير الكهرباء التي تصدرها الشركة الجهوية. الغلاء الذي يشتكون منه...
يوسف وفقير - الرباطأكد رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، أن إعادة الاعتبار لنساء ورجال التعليم تمثل خيارا سياسيا ثابتا لا رجعة فيه،...
اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا
كن أول من يعلق على هذا المقال
احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني