البوابة بريس-الرباط
في وقت كانت فيه أبواق الدعاية في كل من المرادية وتندوف تروج لحديث "تحولات في المواقف الدولية" جاءت التطورات من واشنطن لتقلب المشهد رأسا على عقب. تسريبات استخباراتية ودبلوماسية متقاطعة، أكدها محللون مطّلعون، كشفت عن صدمة قوية تلقّاها وفد جبهة البوليساريو ومعه الجانب الجزائري، بعد أن تحولت اللقاءات التمهيدية في الولايات المتحدة إلى ما يشبه مساءلة مباشرة لمشروع الانفصال، أُعلن خلالها بوضوح أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الإطار الوحيد المطروح.
اللقاءات، وفق المعطيات المتداولة، لم تُدر بلغة المجاملات الدبلوماسية المعتادة. فقد ترأس بعضها مسؤولون أمنيون رفيعو المستوى، بحضور شخصيات نافذة داخل دوائر القرار الأمريكي، وكانت الرسالة مختصرة وحاسمة: زمن المناورة انتهى. المقاربة الأمريكية للملف باتت محكومة باعتبارات الاستقرار الإقليمي، ومحاربة الإرهاب، وحماية المصالح الاستراتيجية في الساحل وشمال إفريقيا، وهي اعتبارات لا تترك مجالا لكيانات وهمية أو مشاريع انفصالية تهدد الأمن الجماعي.
هذا التحول وضع وفد البوليساريو في موقف حرج. التسريبات تحدثت عن ارتباك واضح ومحاولات للالتفاف عبر خطاب عاطفي يركز على "صعوبة إقناع القواعد الداخلية"، غير أن الرد الأمريكي جاء باردا وحاسما: واشنطن لا تفاوض على ثوابتها الأمنية، ولا تنتظر من أي طرف تزيين واقع تجاوزته التطورات.
في المقابل، حضر المغرب إلى واشنطن بوفد وُصف بـ"الثقيل"، في رسالة سياسية واضحة قبل أن تكون دبلوماسية. مشاركة شخصيات وازنة في مجالات الأمن والدبلوماسية والتمثيل الأممي لم تكن إجراء شكليا، بل تعبيرا عن جاهزية كاملة لحسم المسار. المعطيات التي قُدمت بشأن ارتباطات البوليساريو بجماعات مسلحة في منطقة الساحل، ودور الجزائر في إدامة التوتر، وضعت صانعي القرار الأمريكي أمام صورة متكاملة: مشروع الانفصال لم يعد نزاعا سياسيا فحسب، بل تهديدا أمنيا عابرا للحدود.
الدبلوماسية المغربية شددت، في هذا السياق، على إغلاق الباب نهائيا أمام أي صيغ غامضة أو خطط متجاوزة. مقترح الحكم الذاتي لسنة 2007 طُرح باعتباره الحل الواقعي الوحيد، مع التأكيد على أن منطق الاستفتاءات غير القابلة للتطبيق والشعارات المنفصلة عن القانون الدولي والواقع الميداني لم يعد مطروحا.
أما الجزائر، ورغم محاولاتها الترويج لخطاب "عدم الطرفية"، فقد وجدت نفسها في واشنطن طرفا مباشرا في النقاش، تحت وطأة المقاربة الأمريكية الجديدة. تقارير غير رسمية تحدثت عن عودة وفد البوليساريو إلى المنطقة في أجواء وُصفت بـ"الجنازة السياسية"، حيث خيّم الصمت والإحباط، وتكرّس الإدراك بأن باب الأوهام قد أُغلق من العاصمة الأمريكية.
المعطيات المتداولة حول ملامح المرحلة المقبلة تشير إلى هندسة حل نهائي لا إلى جولات تفاوض بلا أفق. عسكريا، يبرز سيناريو تفكيك الميليشيات المسلحة وتجميع السلاح في تندوف. سياسيا، يجري الحديث عن إدماج من يختار العمل السياسي داخل الإطار المغربي، والعودة إلى الأقاليم الجنوبية للمشاركة في استحقاقات انتخابية محلية من شأنها كشف الحجم الحقيقي لما تبقى من القيادات الانفصالية. زمنيا، ترتبط هذه التحركات باستحقاقات أممية قريبة يُراد لها أن تشكل نهاية رسمية لأطروحة الانفصال.
بهذا، خرج المغرب من جولة واشنطن متقدما بخطوة حاسمة، مستندا إلى تحالفات دولية متينة وواقع ميداني ثابت. الرسالة باتت واضحة: لا عودة إلى الوراء. الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو السقف الوحيد، وكل رهان خارج هذا الإطار ليس سوى رهان على ماض انتهى. الصحراء في مغربها، والمغرب في صحرائه، والمعادلة الجديدة تُكتب اليوم من واشنطن بلغة الحسم.
يوسف وفقيرسلط تحقيق استقصائي بثته القناة الفرنسية الثانية ضمن برنامج Complément d’enquête الضوء على مرحلة غير مسبوقة من التوتر بين...
يوسف وفقير - الرباطأوردت دويتشه فيله الألمانية (DW) مقالا تناولت فيه تفاصيل ما يعرف بـ"مجلس السلام" الذي اقترحه الرئيس الأمريكي...
اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا
كن أول من يعلق على هذا المقال
احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني