الثلاثاء, 12 مايو 2026
اشترك الآن
Bawabapress

واش ناضي؟"... كلمة سرّ ضياع الشباب

الاثنين 22 سبتمبر 2025 709
مشاركة:
واش ناضي؟"... كلمة سرّ ضياع الشباب

بقلم: يوسف وفقير

وأنت تتجوّل في أحد شوارع المدينة، متوجها إلى السوق أو الحلاق "أولا غير دايز"، قد تظن أن أقصى ما ستسمعه هو ضجيج السيارات أو نداء الباعة المتجولين. غير أن المفاجأة تأتيك من شباب واقفين عند زوايا الزقاق، يرمقون المارة بنظرات ثابتة ويقذفون إليهم عبارة واحدة: "واش ناضي؟".

عبارة تبدو للوهلة الأولى عادية، كأنها تحية أو سؤال عن الحال، لكنها في الواقع كلمة مرور لسوق سوداء تدار في وضح النهار. فـ"واش ناضي" ليست سوى عرض مباشر: هل تريد شراء مخدرات؟ الشباب لا يجدون غضاضة في أن يُعلنوا ذلك أمام الملأ، وأصبح راس الدرب هو سوقهم الآمن، يبيعون فيه كل شيء بلا خوف.

هنا يطرح السؤال نفسه: هل يظن هؤلاء الشباب أن كل من يمر من الشارع مدمن بالضرورة؟ عندهم القاعدة بسيطة: كلشي مبلي، وكلشي باغي "يتقدى"، منطق أعوج يشبه من يعتقد أن كل من يمر من هناك مدمن وبغا يتقدى لمجرد أنه وجد حفنة من زبناءه هناك.

أما المصيبة الثانية فهي في الأسلوب. فحتى لو سلّمنا -جدلا- أن "الزبناء" موجودون بكثرة، هل بهكذا طريقة يستقطب الناس؟ أيعقل أن يعرضوا على كل رجل عابر ليسألوه بوقاحة: "واش ناضي؟". هذه ليست تجارة، بل هي قلة حياء وبسالة "بمعناها الدارج"ما بعدها بسالة، أن يتحول الفضاء العام إلى "بازار" للممنوعات، يُعرض فيه السم كما تُعرض الفواكه الجافة في المقاهي.

وهنا نصل إلى السؤال الأخطر: أين هو الأمن والسلطة؟ إن كانت لا تعلم بما يجري، فالمصيبة كبيرة، لأن ما يحدث عاين باين أمام أعين الجميع. وإن كانت تعلم فالمصيبة أعظم، لأننا أمام تواطؤ غير معلن، يترك شبابا في عمر الزهور يتدحرجون من الاستهلاك إلى الترويج.

المشهد برمّته ليس سوى مرآة لمستقبل جيل ضائع. شباب يقفون في قارعة الطريق لا للدراسة ولا للعمل، بل لبيع المخدرات وكأنها "حلوى" بأبخس الأثمان. وأمام هذا الواقع، يُطرح السؤال المؤلم: أين المدرسة؟ أين الأسرة؟ أين الدولة؟ ...

• المدرسة التي عجزت عن غرس الأمل في قلوبهم، فاكتفت بتلقين محفوظات لا تطعم خبزا

• الأسرة التي استسلمت لموجة العجز، وفضّلت أن تُغمض عينيها وتقول : "الله يهدي" ولدي. 

• الدولة التي لم توفّر شغلا ولا كرامة، لكنها وفّرت الشارع فضاء مفتوحا للبطالة والجريمة. 

المعادلة واضحة: حين يُترك الشباب بين كماشة البطالة وقلة التربية وانعدام الأفق، فإن "واش ناضي" تصبح الحل الأسهل. ولأن الفراغ قاتل، فقد وجدوا فيه مهنة بديلة: بائعو الأوهام.

لكن، هل يكفي أن نلعن الظلام؟ الحقيقة أن ما يحدث ليس مجرد انحراف فردي، بل هو نتيجة سياسات تراكمت عقودا. سياسات جعلت الشاب المغربي يحلم بالهجرة كأنه يحلم بالجنة، أو يبحث عن المخدر كأنه يبحث عن الخلاص. وهنا المفارقة: الدولة تتحدث عن "المستقبل الرقمي" و"التحول الأخضر"، بينما شبابها يتحولون إلى بائعين متجولين لـ"الشيرا".في الفضاء العام وفي وضح النهار.

ولكي نكون منصفين، لا يكفي أن نُحمِّل الشباب وحدهم وزر الانحراف، فهم في نهاية المطاف أبناء بيئة مهترئة. من أين سيأتي الوعي إذا كان الإعلام يبيع لهم الوهم صباح مساء، والمدرسة تلقّنهم دروسا محفوظة كأنها وصفات قديمة، والحيّ يعرض عليهم "المخدرات بالتقسيط" قبل أن يعرض عليهم فرصة عمل؟ إننا أمام ماكينة متكاملة لإنتاج العبث، تبدأ من التربية وتنتهي عند السياسات العمومية، وبينهما ضاعت أحلام جيل كامل.

عبارة "واش ناضي؟" ليست مجرد كلمة سرّ لبيع المخدرات، بل هي صرخة جيل بأكمله. جيل يقول للدولة والمجتمع والأسرة: نحن هنا، في الشارع، بلا تعليم ولا عمل ولا أفق... واش ناضي؟


 

شاركنا رأيك

تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

10 أحرف على الأقل · سيتم المراجعة قبل النشر

0

تعليقات الزوار

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!

أحدث الأخبار

مجلس النواب يصادق على تعديل قانون الجهات.. ولفتيت يؤكد دخول الجهوية المتقدمة مرحلة جديدة

مجلس النواب يصادق على تعديل قانون الجهات.. ولفتيت يؤكد دخول الجهوية المتقدمة مرحلة جديدة

منذ 3 ساعات
ترامب يرفض الرد الإيراني على مقترح وقف الحرب ويصفه بـ"غير المقبول"

ترامب يرفض الرد الإيراني على مقترح وقف الحرب ويصفه بـ"غير المقبول"

منذ يوم
دنيا بطمة وبدر أوعبي والستاتية ضمن نجوم الدورة الأولى لمهرجان الرمال بوزنيقة

دنيا بطمة وبدر أوعبي والستاتية ضمن نجوم الدورة الأولى لمهرجان الرمال بوزنيقة

منذ يوم
تنديد دولي واسع بهجوم السمارة والضغوط تتزايد على الجزائر والبوليساريو

تنديد دولي واسع بهجوم السمارة والضغوط تتزايد على الجزائر والبوليساريو

منذ 3 أيام
"أنابيك صفرو" تحط الرحال بجماعات إقليم صفرو  للتحسيس من أجل الشغل

"أنابيك صفرو" تحط الرحال بجماعات إقليم صفرو للتحسيس من أجل الشغل

منذ 4 أيام
بنسعيد: الحجاب لا يمنع تقديم الأخبار بالتلفزيون العمومي والكفاءة هي الفيصل

بنسعيد: الحجاب لا يمنع تقديم الأخبار بالتلفزيون العمومي والكفاءة هي الفيصل

منذ 4 أيام
الدبلوماسية الملكية وإعادة تشكيل مسار قضية الصحراء: قراءة في كتاب أكاديمي جديد

الدبلوماسية الملكية وإعادة تشكيل مسار قضية الصحراء: قراءة في كتاب أكاديمي جديد

منذ 6 أيام
تصعيد محسوب في الخليج: رسالة أمريكية لطهران تسبق هجمات في مضيق هرمز والإمارات

تصعيد محسوب في الخليج: رسالة أمريكية لطهران تسبق هجمات في مضيق هرمز والإمارات

منذ 6 أيام
تعزيز التعاون المغربي الأردني عبر تبادل الخبرات البرلمانية والإدارية

تعزيز التعاون المغربي الأردني عبر تبادل الخبرات البرلمانية والإدارية

منذ أسبوع
في دورة الثامنة عشرة.. مليون و137 ألف زائر و1590 عارضاً بالمعرض الدولي للفلاحة بمكناس

في دورة الثامنة عشرة.. مليون و137 ألف زائر و1590 عارضاً بالمعرض الدولي للفلاحة بمكناس

منذ أسبوع

مقالات ذات صلة

حين يتحول الميكروفون إلى منبر للضغينة الرخيصة: حفيظ الدراجي نموذجا
كتاب وآراء

حين يتحول الميكروفون إلى منبر للضغينة الرخيصة: حفيظ الدراجي نموذجا

بقلم:عبد العزيز الخبشيليس أخطر على الوعي الجمعي من إعلامي يخلع عنه عباءة المهنية، ويرتدي قناع العداء المعلن، ويستعمل صوته لا...

0 تعليقات
حين يصبح "عدم استعمال الكراطة"أهم من غرق المواطنين
كتاب وآراء

حين يصبح "عدم استعمال الكراطة"أهم من غرق المواطنين

بقلم: يوسف وفقيرليس كل كلام يقال على سبيل المزاح يغتفر، ولا كل "تلميح سياسي" يمكن تمريره دون مساءلة، خاصة حين...

0 تعليقات

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا

نحن نحترم خصوصيتك. لن نشارك بريدك مع أي طرف ثالث.

اشترك في نشرتنا البريدية

احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لموقع bawabapress.com © 2026
شروط الاستخدام سياسة الخصوصية تم إنشاء وإدارة الموقع بواسطة AppGeniusSARL