الاثنين, 10 أغسطس 2026
اشترك الآن
Bawabapress

سبتة تنتفض بسبب الهجرة…والمغرب ليس دركيا لأوروبا

الاثنين 10 أغسطس 2026 19
مشاركة:
سبتة تنتفض بسبب الهجرة…والمغرب ليس دركيا لأوروبا

يوسف وفقير

خرج آلاف الأشخاص أمس الأحد إلى شوارع سبتة المحتلة في واحدة من أكبر التظاهرات التي شهدها الثغر المغربي المحتل خلال السنوات الأخيرة، احتجاجا على تداعيات موجة العبور الجماعي الأخيرة، ومطالبين الحكومة الإسبانية والاتحاد الأوروبي بتحمل مسؤولياتهما تجاه الوضع الذي تعيشه المدينة.

وبحسب معطيات أوردتها إذاعة كادينا سير، فقد قدرت الشرطة الوطنية الإسبانية عدد المشاركين في التظاهرة بنحو خمسة آلاف شخص، فيما رفع المنظمون العدد إلى أكثر من عشرة آلاف. ودعت إلى الاحتجاج الطوائف الدينية الأربع في سبتة المحتلة، المسيحية والمسلمة واليهودية والهندوسية، تحت شعار "كفى.. سبتة لا تستسلم"، بمشاركة عدد من الهيئات النقابية والجمعوية، ورئيس حكومة سبتة المحتلة خوان خيسوس فيفاس.

ورفع المحتجون مطالب بتعزيز الموارد البشرية واللوجستية المخصصة للشرطة والحرس المدني، وتقوية مراقبة الحدود، وتحسين قدرات استقبال المهاجرين، خصوصا القاصرين غير المصحوبين، كما طالبوا الحكومة المركزية في مدريد والاتحاد الأوروبي بتقديم دعم أكبر للمدينة، باعتبارها تقع، وفق التصور الإسباني والأوروبي، على الحدود الخارجية للاتحاد.

وإذا كان من حق سكان سبتة المحتلة أن يطالبوا حكومتهم بمزيد من الأمن والموارد، فإن اللافت في هذه التظاهرة أنها وجهت الجزء الأكبر من مطالبها إلى مدريد وبروكسل. وهذه النقطة تحديدا تستحق التوقف عندها، لأنها تقود إلى سؤال أكبر: إذا كانت المدينة نفسها تطالب إسبانيا والاتحاد الأوروبي بتحمل مسؤولياتهما، فلماذا يُراد من المغرب أن يتحمل وحده مسؤولية أزمة تقع في جزء منها على حدود منطقة تعتبرها إسبانيا جزءا من مجالها الخاضع لإدارتها؟

لا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن الهجرة غير النظامية أو التقليل من خطورة عمليات العبور الجماعي، ولا بإنكار حق أي دولة في حماية حدودها. المغرب، مثل سائر الدول، مسؤول عن حماية حدوده ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية، وهو يقوم منذ سنوات بتعاون أمني مع إسبانيا ودول أوروبية في هذا المجال.

لكن التعاون شيء، وتحويل المغرب إلى حارس دائم للحدود الأوروبية شيء آخر.

والأهم أن هذه ليست مجرد وجهة نظر سياسية مغربية، بل يمكن الاستناد فيها إلى القانون الأوروبي نفسه.

فاللائحة 2019/1896 الصادرة عن البرلمان الأوروبي والمجلس الأوروبي في 13 نونبر 2019، والمتعلقة بالحرس الأوروبي للحدود وخفر السواحل، تنص في المادة 7، الفقرة الأولى، على أن إدارة الحدود الأوروبية تقوم على "مسؤولية مشتركة" بين الوكالة الأوروبية والسلطات الوطنية المكلفة بتدبير الحدود، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن الدول الأعضاء تحتفظ بالمسؤولية الأساسية عن تدبير قطاعات حدودها الخارجية. كما تنص المادة نفسها على أن الدول الأعضاء تظل مسؤولة عن إدارة حدودها الخارجية وإنفاذ قرارات الإبعاد، في إطار القانون الأوروبي.

وهناك أيضا اللائحة (الاتحاد الأوروبي) 2016/399، المعروفة باسم مدونة حدود شنغن، التي تضع القواعد المنظمة لعبور الأشخاص للحدود الخارجية للدول الأعضاء ومراقبتها. وتنص المادة الأولى منها على أنها تحدد قواعد مراقبة الأشخاص عند الحدود الخارجية للدول الأعضاء.

ومعنى ذلك، ببساطة، أن التعاون المغربي في مجال الهجرة لا ينقل إلى المغرب المسؤولية القانونية عن الحدود التي تديرها إسبانيا. فحتى داخل المنظومة الأوروبية نفسها، تظل الدولة العضو مسؤولة بصورة أساسية عن الجزء من حدودها الخارجية الواقع تحت إدارتها.

ومن هنا تبدو عبارة "المغرب حارس لحدود أوروبا" غير دقيقة قانونيا إذا أريد بها تحميل المملكة مسؤولية الحدود الأوروبية نفسها.

المغرب يحرس حدوده ويتعاون مع جيرانه وشركائه ويلاحق شبكات تهريب البشر، ويمكنه أن يساعد في منع محاولات العبور غير النظامي انطلاقا من أراضيه، وهذا جزء من التزاماته الوطنية ومن التعاون الدولي.

لكنه لا يصبح، بسبب هذا التعاون، جهازا تابعا لإسبانيا أو للاتحاد الأوروبي.

وهنا تكمن المفارقة التي كشفت عنها مظاهرة الأحد في سبتة المحتلة: سكان المدينة يطالبون مدريد بمزيد من الشرطة والحرس المدني، ويطالبون بروكسل بمزيد من الدعم والموارد، ويقولون إن إمكانات المدينة لا تكفي وحدها لمواجهة الأزمة. وهذا مطلب مفهوم، بل منطقي، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن الأزمة ليست مسؤولية طرف واحد.

فإذا كانت سبتة المحتلة، بإمكاناتها الإسبانية والأوروبية، تقول إنها لا تستطيع تحمل العبء وحدها، فكيف يمكن أن يُطلب من المغرب أن يتحمل وحده عبء منع كل محاولة للوصول إليها؟

ثم إن المسألة لا تتعلق فقط بالحدود. فالأزمة التي انفجرت في سبتة لها أبعاد تتجاوز الحواجز والأسلاك ومراكز الإيواء، وتتصل بالهجرة غير النظامية، وشبكات التهريب، والقاصرين غير المصحوبين، وسياسات اللجوء والاستقبال، وبالظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم بحثا عن مستقبل أفضل.

ومن غير الواقعي اختزال كل هذه العوامل في دور المغرب وحده.

بل إن الرباط أظهرت، في الأيام الأخيرة، استعدادها للتعاون مع إسبانيا في ملف القاصرين غير المصحوبين الذين وصلوا إلى سبتة المحتلة، وهو ما يؤكد أن المغرب لا يرفض التعاون، وإنما يريد أن يكون هذا التعاون قائما على الاحترام المتبادل وتوزيع المسؤوليات. وقد أكدت تقارير حديثة استعداد المغرب للتعاون في تحديد هوية القاصرين وإعادتهم، في إطار الترتيبات القانونية القائمة.

المطلوب إذن ليس أن يتخلى المغرب عن التعاون، ولا أن تغلق أوروبا أبوابها أمام كل تنسيق مع الرباط، وإنما أن يوضع كل شيء في مكانه الصحيح: المغرب مسؤول عن حدوده، وإسبانيا مسؤولة عن حدودها، والاتحاد الأوروبي مسؤول عن سياساته وحدوده الخارجية، والتعاون بين الجميع يجب أن يكون تعاونا بين شركاء وليس شيئا آخر.

أما سبتة، فهي في الذاكرة والتاريخ والجغرافيا المغربية ثغر مغربي محتل، ولا ينبغي أن تجعلنا أزمة الهجرة ننسى هذه الحقيقة أو نطبع، من حيث اللغة، مع واقع الاحتلال. والحديث عن المسؤوليات الأمنية والإدارية القائمة لا يعني بأي حال الاعتراف بالسيادة الإسبانية على المدينة.

من حق سكان سبتة المحتلة أن يحتجوا، ومن حقهم أن يطالبوا مدريد وبروكسل بحمايتهم ودعمهم. لكن من حق المغرب أيضا أن يقول بوضوح: نحن مستعدون للتعاون، ولسنا مستعدين لتحويل بلدنا إلى دركي يحرس أوروبا من الجنوب.

فأوروبا التي تطالب بحماية حدودها مطالبة، قبل كل شيء، بأن تتحمل مسؤولية حدودها وسياساتها، وأن تتعامل مع المغرب كشريك ذي سيادة، لا كحارس حدود بالنيابة عنها.

 

شاركنا رأيك

تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

10 أحرف على الأقل · سيتم المراجعة قبل النشر

0

تعليقات الزوار

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!

مقالات ذات صلة

القدس.. إشادة عربية بجهود المغرب ودعوة لتحرك دولي
سياسة

القدس.. إشادة عربية بجهود المغرب ودعوة لتحرك دولي

 البوابة بريسأكد المشاركون في الاجتماع الوزاري العربي الإسلامي، الذي احتضنته العاصمة الأردنية عمّان، اليوم الأربعاء على أهمية الدور الذي تضطلع به...

0 تعليقات
مصدر حكومي: أحداث سبتة تستدعي مراجعة شراكة الهجرة مع أوروبا والمغرب ليس "حارسا لحدودها"
سياسة

مصدر حكومي: أحداث سبتة تستدعي مراجعة شراكة الهجرة مع أوروبا والمغرب ليس "حارسا لحدودها"

البوابة بريسبحسب تقارير إعلامية، أكد مصدر حكومي مغربي أن التطورات التي شهدتها مدينة سبتة خلال الأيام الأخيرة تستدعي إعادة النظر...

0 تعليقات

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا

نحن نحترم خصوصيتك. لن نشارك بريدك مع أي طرف ثالث.

اشترك في نشرتنا البريدية

احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لموقع bawabapress.com © 2026
شروط الاستخدام سياسة الخصوصية تم إنشاء وإدارة الموقع بواسطة AppGeniusSARL