البوابة بريس

الرأسمال الإجتماعي بالمغرب:لماذا يجب على المملكة حماية “مول الحانوت” ضد “بيم”؟

الأثنين 04 فبراير 2019

بالتفكير في هذا المقال في مبحث “الرأسمال اللامادي واقتصاد المعرفة” أكون أختط مستوى جديدا في فهم دور الثقافة في تنمية الجماعة، وأغوص عميقا في التفكير الهادئ واليقظ في الموضوع.
وبعد كل الاهتمام الذي أوليته لدرس المسألة الدينية و تأثيراتها في تأمين المشترك الاجتماعي والفيزياء الإجتماعية، أخوض الآن في الرأسمال الإجتماعي وآثاره على الرأسمال المادي،
وقد حرصت التطبيق على حالة “مول حانوت الدرب” لما يمثله من خطاطة متكاملة من القيم الإنسانية والوجدانية والإجتماعية والأخلاقية التي تسند الرأسمال المادي سواء كان ثابتا أو متحركا.

والحال أن ما يدعو الأجيال الجديدة من المثقفين والباحثين والمهتمين للإنخراط بحماسة في البحث في المواضيع المرتبطة بالرأسمال اللامادي والتحولات المجتمعية هو الواقع العالمي الجديد الذي أصبح يرهن أكثر مصير المال والاستثمارات بمناخ الثقة، والتضامن، و الشفافية، والفعالية، والاستقرار السياسي والإجتماعي الذي يتوفر له.

لقد أصبح الأمر أشبه بعلاقة سببية فيزيائية تتحدد فيها طبيعة النتيجة و حصرا من طبيعة السبب أو العلة.
لقد جرب المغرب ودول عديدة وصفة التنمية المادية والإقتصادية دون ربطها عضويا برأسمال من الثقة و العلاقات التضامنية الاجتماعية وكانت النتيجة “غربة” هذه الاستثمارات والمشاريع عن البيئة التي استنبتت فيها إذ لم تنجح في التكيف معها وفشلت الأخرى في احتضانها،
ويمثل لنا بدون شك عدم تحقق نتائج كبرى من مشروع تحويل المغرب إلى منصة عالمية لألعاب الأغنياء والمشاهير (الكولف والتنس)، والتي كان المغرب سعى جاهدا لجعل دورتيهما بالمغرب ضمن الدورات الدولية المعتمدة كرولان غاروس وغيرها، ونفس الامر يهم بشكل أقل دورة الرباط لألعاب القوى، مثالا جيدا على هذا الفصل المنهجي غير الدقيق بين وسائل إنتاج الثروة بمعايير منطق السوق وبين الدعامات الحضارية والثقافية والنفسية الهوياتية التي يمكن أن تدعم هذا الخيار.

كل الدول التي اختطت لنفسها مصيرا تنمويا قرنت الرأسمال المادي بالرأسمال اللامادي، ومنذ الثورات الثقافية التي دشنها الميجيون في اليابان و هوشيه منه في الفيتنام، وسياسة التنوع العرقي في أمريكا والدول الغربية لا سيما فرنسا وألمانيا ودول البينيلوكس وصولا إلى المحاولات الواعدة للإمارات العربية المتحدة وقطر، نلاحظ توجها فلسفيا وسياسيا متسارعا يثني على هذا الربط العضوي و يؤكد إيجابياته.
بل أننا نجد باحثا خبيرا ومتمرسا كفيليب كيو يدعو صراحة إلى “عولمة عادلة لكل ما هو محلي من أجل تأمين النقد الدولي”.
وأن خبيرا في الإقتصاد السياسي كموريس غودولييه لا ينفك يوصي بثتمين العادات والتقاليد والأعراف المحلية بقيمها الحقيقية والعودة إلى كل ما هو محلي لأنه أصيل مقابل الكوني الذي هو متغير مما يضعف قيمه الرمزية والمادية، إذ يشبه الأمر بالعملة الذهبية أو الفضية التي تزداد قيمها التاريخية والرمزية والمالية مع تقادمها في الزمن في الوقت الذي تفقد قيمتها التي أحدثت” من أجلها أول مرة، “فالسياسة والاقتصاد يعطيانها حق تداول قانوني وقيمة صرف نقدي وتداول مالي ومصرفي لكن التاريخ يعطيها قيما جديدة مضاعفة مالية مادية ورمزية وثقافية ويعطي لحاملها امتيازا ملكية فوق-زمنية” كما احب أن أقول دائما عندما أصف الأشياء التي تنتمي إلى التراث اللامادي.

فنمط غنائي كالعيطة أو الطقطوقة الجبلية أو كناوة أو الطرب الغرناطي أو الاندلسي أو أحواش أو احيدوس أو الكدرة أو الهيت أو غيرها من الأنماط الغنائية الروحية والشعبية بالمغرب ليست مجرد إرث من الماضي أو فلكلور استعراضي يمكن أن نوظفه سياسيا لتلحيم الجماعة البشرية ضمن المهام الموكولة للدولة الحارسة والراعية، بل قد يكون ويجب أن يكون ضمن هذه التوجهات العالمية لحساب وإنتاج الثروة وسيلة معتمدة من وسائل التثوير الثقافي وإنتاج الثروة.

وفي الحقيقة في الحالة المغربية نملك نموذجا مثاليا حيا حول حقيقة إسهام الرأسمال اللامادي في إنتاج الثروة المادية وربما أننا لا ننتبه له جيدا لأننا ربما لم نشكل تصورا ورؤية واضحين حول كيف نسند الثروة المادية بالرأسمال اللامادي أو كيف نوجه التراث لإنتاج المال والثروة.

بطبيعة الحال بفلسفة واضحة وبرؤية سليمة وليس عبر مجمل تلك الاجتهادات المختزلة والمتسرعة التي تختصر هذا الطموح الجبار والمبدع في بعض العبارات التائهة التي تزين بعض المهرجانات السنوية من قبيل “الموروث الثقافي في خدمة التنمية” و “التراث في خدمة التنمية والإنسان”، والتي غالبا يكون وراءها منتخبون جماعيون فاقدون لرؤية أفقية متكاملة ومحكومون بضيق أفق خانق.

المثال هو على الشكل التالي:

يمثل سوق الغناء الشعبي اليوم سوقا مربحا، ويكفي فحص سريع للمداخيل السنوية وربما للسهرة الواحدة لفناني الغناء الشعبي ليعطينا صورة واضحة عن كيف يؤدي التراث والرأسمال اللامادي إلى إنتاج الثروة والمال.

إن أفراد كالستاتي وحجيب وطهور و بناني والصنهاجي وبوركون والستاتية والحاج عبد المغيث واولاد البوعزاوي واولاد بنعكيدة والشريف وغيرهم لم يكونوا أبدا خريجي مدارس عليا في الهندسة و الاقتصاد و القانون والطب وغيرها من المهن المنتجة للثروة والمال، وهم في غالبهم كانوا شبابا تعثروا في دراساتهم غالبا لأسباب اجتماعية وكانت حظوظهم من الثروة ضعيفة.

ما الذي جعلهم اليوم أغنياء ومداخيلهم المالية كبيرة؟ ما البضاعة التي يبيعونها أو ما الخبرة التي يقدمونها؟ وما الرأسمال المالي الذي استثمروه؟ وفي أي مشروع؟.

في الحقيقة هؤلاء الفنانين الناجحين الذين يمثلون اليوم نماذج في العصامية هم نموذج حي لمعادلة سند الثروة المادية بالثروة اللامادية أو لنقل توظيف اللامادي لانتاج الثروة والمال.

هؤلاء الفنانين لا يبيعون بضاعة خاما أو مصنعة، ولم يفتحوا يوما مشروعا، ولم يبحثوا عن قرض بنكي لتمويله كما يفعل آلاف الشباب الخاضعين لسلطة الرأسمالية وقوانينها.
هؤلاء الفنانين المغاربة كانوا شبابا يعيشون هويتهم، وتراثهم وبلدتهم، ودوارهم، وحومتهم، وسوقهم الأسبوعي، وسقايتهم، وعبروا عنها بكل تلقائية فيما سيغنونه لاحقا.

فكل ما يقومون به وهم في الأعراس أو الحفلات الخاصة أو المراقص أو الساحات العامة في المهرجانات الكبرى او على المنصات والركح في القاعات الموسيقية العالمية، هو أنهم باختصار شديد يستثمرون الرأسمال اللامادي لإنتاج الثروة والمال والمادة.

هؤلاء الفنانين يغنون كلمات “شعبية” تنتمي إلى وجدان الشعب وتاريخه و تعكس هويته، ويعبرون عنها بإيقاع شعبي يعبر عن الهوية المغربية المتنوعة والمتعددة، يستعملون “كمنجة” او “وتار” أو “كنبري” وبندير وطعريجة صنعت من أرز غابات آزرو أو المعمورة أو بوسكورة ومن جلود ماعز ترعى بتنانت أو بزو أو أزيلال او الحاجب أو مولاي بوعزة أو هضاب حاحا أو إيمنتانوت او غيرها من الأراضي الفلاحية بالمغرب.
ومنهم من يصاحبه جوق من الرجال والشيخات ينتمون إلى “القاع” و “الهامش” المغربي.

وفي الحفلات والأعراس التي يحيونها لا يبدون أبدا غرباء عن جمهورهم بل أنهم الأكثر قدرة على إشباع كيمياء الفرح والسعادة عند المغاربة. وإلا لماذا لا يستطيع المغاربة الصبر عن الرقص و “التحيار” عند غناء العيطة والغناء الشعبي المغربي؟

في ربط التراث اللامادي ( ونقصد به الأغنية الشعبية كلمات وإيقاع وأدوات موسيقية ورقصات) بإنتاج الثروة المادية نقول أن هذا المثال جيد جدا يمكن تعميمه ليمس الحلقة والحكايات والنكتة والزربية و اللباس، ويمس عادات عاشوراء و تاغنجا و بوجلود والمشاوشة وسلطان الطلبة وموسم الشموع وموسم الورود و مواسم حفظة القرآن على الطريقة المغربية وحاكوزة و عشرات اخرى من عادات المغاربة الأصيلة التي يجب أن يقام جهد مزدوج في موضوعها، جمعها وتصنيفها ثم تحويلها أنشطة مربحة ومنتجة للثروة.

إن توظيف هؤلاء الفنانين للرأسمال اللامادي لا ينعكس فقط في الأرباح التي يجنونها، ولكن أيضا في فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة التي يوفرونها، ففنان كحجيب او الستاتي أو أولاد البوعزاوي يشغلون شبابا وشيخات بشكل شبه دائم و خلفهم تقنيون ومصورون و دار إنتاج ووكالة دعاية و بائعو كاسيط و مصففو أغاني و بائعو جيمات ولايكات على الأنترنت ووسطاء و بائعو خمور و خياطات تكاشط و بذلات أعراس،

بل وينتج أغانيهم المسجلة والحية آلاف الاحاسيس بالفرح والسعادة والرقص والغناء، ويوطدون اواصر الرحم و يراقصون النساء مع بعضهن والذكور مع بعضهم والنساء والذكور مع بعضهم البعض، وكم من شاب أو شابة يطلب من الكوامنجي أو العونيات التغزل له بشابة غائبة أو حاضرة نيابة عنه بمقطع موسيقي.

وعندما نقول دائما أن هذا التراث اللامادي للمغاربة منتج للإستقرار و مناعة الهوية المغربية، ونعلن موقفا صريحا من أشكال الإغتراب الفني أو الديني أو اللباسي فنحن لا نقصد عبارة إنشائية بل نقصد واقعا حيا ومنتجا ليس فقط للإستقرار وقد نضيف المال والثروة.

إن هذا الرأسمال المتوفر بين الأشخاص وبين الواقع والذي تمثله المعارف والعلاقات و الافكار والقيم والذي يسميه كولمان الرأسمال الاجتماعي، هو الذي يجعل التعبيرات الغنائية و أهازيج القبائل والشعوب و ما يصاحبها من تفاعلات ومن فيزياء اجتماغية رأسمالا قيما يمكن أن ينتج الثروة إذا حسن استثماره.
والحال أنه في هذا المستوى تتحدد كفاءة السياسي و جودة السياسات العمومية و قدرتها على إنتاج الثروات.
والحال أن السياسي مطالب بألا يكون مجرد تقني يدبر قطاعه إداريا وبسياسة قطاعية محض-تقنية، فالسياسة العمومية ولا سيما في موضوعات الثقافة والرأسمال اللامادي واقتصاد المعرفة مطالبة بمزيد من الذكاء في تحويل هذا الرأسمال اللامادي إلى مادة وإلى فرص شغل وإلى أرباح.

فهذه العلاقات الافقية والتي تأخذ شكل علاقات اجتماعية ومدنية وروابط وعوائد مشتركة بين الناس كما نجد عند بونتام يمكن أن تنتج استقرار نفسيا مساعدا على تبسير عمليات البيع والشراء والعرض والطلب والمفاوضة والمناقصة او المزايدة.

إننا اليوم على المستوى الجيو-استراتيجي أمام تركيز وفهم عميق وجديد لكيفيات انتاج الثروات ولم تعد الطرق والوسائل التقليدية كافية وحدها لتحقيق هذا الغرض، فالغنى الذي وفرته النظريات العلمية سواء كانت عقلية استدلالية أو تحريبية امبريقية، والذي سيترجم في آلاف من التقنيات الماكرو والميكرو ثم الدقيقي فالذكية والتفاعلية، يبدو اليوم وصل مستوى من الإشباع والتخمة حد بدأ في دورة جديدة من الفقر والهشاشة في إنتاج الثروة.

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة البوابة بريس لتصلك آخر الأخبار يوميا
أضف تعليقك
مستجدات
← إئتلاف اليوسفية للتنمية يصدر بيان بخصوص غياب المراحيض العمومية بشواطئ الرباط ← ايموزار كندر..جمعية الجانب الأخضر تواكب الصانعات التقليديات ضمن مشروع مؤازرة II ←  أوراش .. دينامية كبيرة وحركة دؤوبة بين الشباب المستفيد بإيموزار كندر  ← جمعية المواهب تستقبل الأطفال بالتزامن مع العطلة الصيفية ← المكتب المحلي ب”ليزاداك” يقاطع استحقاقات نهاية الموسم الجامعي بالمعهد ← مديرية صفرو: لقاء تنسيقي مع الجماعات الترابية لتحضير برامج العمل المزمع إدراجها ضمن عقود البرامج بين الدولة والجهات ← الذكاء التركي استطاع ان يسيطر على الاعلام العمومي المغربي الذي جعله نافدة لترويج لسياحة و اقتصاد وثقافة دولة تركيا ← جماعة ايموزار كندر تُسخر مستخدميها و آلياتها عوض المقاولة الموكولة لها تهيئ المطرح الجماعي ← مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة يعد جمهوره بقضاء يوم جمعة حافل وغني بالاكتشافات والروحانيات. ← مديرية صفرو تنظم اللقاء الترابي للمشاورات الوطنية حول ” تجويد المدرسة المغربية “
صوت و صورة